السعودية لأهل طرابلس وعكار "لستم وحدكم"

السعودية لأهل طرابلس وعكار "لستم وحدكم"

البخاري في افطار سليمان في عكار ( الوكالة الوطنية)

ما إن انتهت زيارة الرئيس سعد الحريري إلى لبنان في ذكرى 14 شباط، كانت بوصلة السفارة السعودية في بيروت متجهة نحو الساحة السنيّة، بدءًا من الإفطار في دار السفير السعودي في اليرزة على شرف مفتي الجمهورية الشيخ عبد اللطيف دريان ومفتي المناطق، مروراً بالإفطار في وادي خالد بعكار بضيافة عشائر العرب والنائب محمد سليمان، وصولاً إلى الإفطار في دارة النائب أشرف ريفي بطرابلس في حضور وجهاء المدينة، ومن بعدها السحور في معرض رشيد كرامي الدولي.

جولات وإفطارات كانت محملة برسائل ودلالات سياسية واجتماعية بارزة، ولا سيما في ظل فتور المناخ الانتخابي. رسائل تتوخى من خلالها المملكة التأكيد على دورها الفاعل في احتضان الشارع السنيّ وملاقاة نبضه شارعها المرتفع، وخصوصاً في طرابلس وعكار، بما ينسجم مع دورها المحوري والتاريخي الذي يتجاوز الاطر الانتخابية الضيقة، ويتكامل مع سياساتها الرامية إلى دعم نهوض الدولة، وأن السنّة كانوا وسيظلوا عصب مشروع الدولة. في  تلك الرسائل قرأ أهل طرابلس وعكار في ثناياها التزامًا من السعودية بدعم هاتين المنطقتين في ظل انفجار معاناة فيهما على أكثر من صعيد سياسي واجتماعي وإنمائي.

 

المملكة دعم يتجاوز المواقف الكلامية

 ساهمت السعودية في دعم وتمويل مشاريع إنمائية كبيرة في طرابلس شملت العديد من القطاعات. والقطاع التربوي شاهد على مدى اهتمامها بالشق التنموي والاجتماعي، حيث بصمتها راسخة على الكثير من المؤسسات التعليمية والتربوية. كما ساهمت بتمويل مستشفيات ومؤسسات صحية. لذلك ينظر إليها أهل طرابلس على أنها المنقذ سياسيًا وإنمائيًا واقتصاديًا وأيديولوجيًا بعدما تخلت الدولة عنهم، وأفسحت المجال أمام "المافيات" التي أنشأها نظام  الرئيس السوري بشار الأسد كي تعيث فيها فسادًا وتخريبًا، وتحوّلها إلى صندوق بريد إرهابي إقليمي دمويّ على حساب دماء الطرابلسيين ومعيشتهم.

من هذا المنطلق لاقت زيارة السفير السعودي وليد البخاري إلى طرابلس ارتياحاً شعبيًّا عارمًا، يمكن تلمس إحدى مؤشراته الحيوية في تقاطر المصلين لإلقاء السلام عليه خلال تأديته صلاة العشاء والتراويح في المسجد المنصوري الكبير بما يحمله من رمزية إسلامية وتاريخية. تحلّق الطرابلسيين حول البخاري طيلة جولته الطرابلسية من الفطور إلى السحور وما بينهما يعبر عن ترحيب المدينة وأهلها بالدولة التي يمثلها السفير، خصوصًا في ظل تزامن زيارة سفيرها مع اليوم الوطني بما يحمله من رمزيات التأسيس والبناء وقيمه الراسخة على صعيد مشروع الدولة.

المشهدية الوطنية الجامعة

كذلك، برزت في جولة السفير البخاري الطرابلسية المشهدية الوطنية الجامعة على طاولة الإفطار في دارة النائب أشرف ريفي، والتي ضمت القادة الروحيين لجميع الطوائف، ورؤساء البلديات وغرفة الصناعة والتجارة، والمنطقة الاقتصادية الخاصة، ومعرض رشيد كرامي الدولي، ونقباء المهن الحرة. هذه الصورة تبعث برسالة واضحة بأن المملكة تلعب دور الحاضن والأب الروحي لصيغة طرابلسية - شمالية وطنية تضع حدًا لسنوات من العمل على تشويه صورتها وإلباسها لبوس الإرهاب، وأن كل شرائح المجتمع الطرابلسي تراهن على الدور السعودي الإنقاذي في طرابلس لانتشالها من واقعها المرير.

وهذا ما أكد ه ريفي في تصريح قال فيه "اقتراب السعودية من الشعب اللبناني، ولا سيما من مدينة طرابلس، يبعث في نفوسنا الطمأنينة والأمل. إن عودة السعودية إلى طرابلس لا تحمل بعداً سياسياً أو دبلوماسياً فحسب، بل تحمل بعداً وطنياص وشعبياً عميقاً يرزع أملاً في نفوس أبنائها، ويؤشر إلى مرحلة واعدة نتطلع فيها إلى نمو وازدهار يعم المدينة وكل لبنان".

علاوة على ذلك، فإن خروج هذه الصورة الجامعة من دارة ريفي بالذات يشكّل رسالة سياسية تعبر عن احتضان المملكة لصاحب الدار الذي ثبت على مدار السنوات الفائتة على مواقفه الداعمة للدور السعودي في لبنان الداعم لمشروع الدولة في عز هيمنة محور الممانعة، وتأييده الحاسم للطائف كركيزة أساسية لقيامة الدولة. وفي هذا الصدد قال ريفي "إن طرابلس هي مدينة العيش المشترك والتقوى والسلام رغم كل محاولات التشويه التي طالت صورتها".

فعالية الدور والحضور

في الإطار الأوسع، حمل الإفطار الذي أقامه السفير وليد البخاري على شرف دريان ومفتي المناطق، تأكيدًا على الدور المرجعي لدار الفتوى كحاضنة سنيّة ووطنية. في حين اكتسى الإفطار في دارة النائب محمد سليمان في وادي خالد برسالة تعزز من ارتباط عشائر العرب بالدور السعودي الفاعل في لبنان والمنطقة، وصحة تموضعهم في الاتجاه الضحيح رغم الضغوطات التي تعرضوا لها من أكثر من جهة سياسية.

تكتسب هذه الرسالة أهمية أكبر عبرت عنها مواقف بعض قادة عشائر العرب، خصوصاً في ظل استمرار معاناة عرب خلدة من هيمنة "حزب الله"، والالتباس الذي حصل خلال زيارة الرئيس سعد الحريري إلى لبنان وأدى إلى توتر العلاقة مع عشائر العرب، وانعكاس ذلك في الحملة التي شنتها جماهير التيار الأزرق على النائب سليمان وبعض الرموز العشائرية.

تتكامل هاتان الرسالتان مع الرسائل المتوخاة من زيارة البخاري للنائبين أحمد الخير في المنية، وإيهاب مطر في طرابلس، وفي السحور الذي أقامه النائب فيصل كرامي، في التأكيد على الدور المرجعيّ السعودي على الساحة السنيّة.

وعليه، يمكن اعتبار الرسائل التي حملتها جولات وإفطارات البخاري بمثابة إعادة تزخيم لمسار علاقة السنّة بالسعودية، وخصوصاً في طرابلس وعكار، يدعّم المسار الناشئ للعهد وحكومة الرئيس نواف سلام، ويختزن الكثير من الآمال والطموحات لإحداث خرق جديّ يقود نحو تحرير عملية الإنماء من نفوذ بعض الأطراف السياسية وتسلطها على مقدرات الدولة وعلى الشارع الطرابلس والعكاري.

اقرأ المزيد من كتابات عبد الكريم فياض