شدّ حبال وضغوط على النواب السنّة للمقاطعة طيّرت جلسة اللجان
تحتدم النقاشات البرلمانية والسياسية في مشروع قانون العفو، وسط تصاعد ضغوط الشارع السني لإدراج قضية ما يعرف بـ"الإسلاميين" ضمن المشروع.
القضية ليست جديدة، لكن المزاج السنيّ اليوم يبدو أكثر صلابة وتنظيمًا على وقع التحولات السياسية في المنطقة، ولا سيما تراجع نفوذ المشروع الإيراني، وسقوط نظام الرئيس السوري بشار الأسد، وتأثير ذلك على التوازنات الحاكمة داخليًا، ما دفع إلى اعتبار الساحة السنية أن اللحظة مؤاتية لإقفال هذا الملف، وما يختزنه من رمزية معاناة مكثفة في وعيها الجمعي من الاستثمار السياسي في تهمة الإرهاب طوال 4 عقود ونصف.
أول موقف موّحد منذ الطائف
يتجلى هذا المناخ في الموقف الوحد الذي صدر عن دار الفتوى ومفتيي المناطق، كما في التحركات واللقاءات التي ضمت قضاة ومحامين وفعاليات سياسية واجتماعية، ما رسم سقفًا يصعب على أي نائب سني تجاوزه سياسيًا أو شعبياً. وللمرة الأولى منذ اتفاق الطائف تبدو الساحة السنية أمام موقف موحد بهذه الصلابة حيال قضية داخلية.
يعود العامل الأساسي في هذا التحول إلى تبدل التوازنات الإقليمية، وخصوصاً سقوط نظام الأسد، بما أسهم في إضعاف المعادلات التي حكمت الحياة السياسية والأمنية لعقود تحت عنوان "مكافحة الإرهاب". فقد ترسخ في الوعي السني أن هذه التهمة كانت أداة استخدمها نظام الأسد، ثم إيران وحزب الله لاحقاً، لإنتاج مشروعية القمع وتبرير الهيمنة داخل لبنان والمنطقة. والمسألة تبدأ من التصنيف المطاط للإسلاميين الذي توسع ليشمل أفرادًا لا ينتمون لأي تنظيم لتبرير اعتقالهم.
منذ أحداث حماة عام 1982، جرى توظيف الخطر الإسلامي كمدخل لإعادة إنتاج شرعية الأنظمة الأمنيّة، حيث استطاع من خلالها الرئيس السوري حافظ الأسد تسويق نفسه بأنه الضامن للاستقرار في مواجهة الحركات الإسلامية التي تريد إحداث فوضى والإطاحة بالتوازنات الإقليمية. قبل أن تتحول هذه المعادلة إلى واحدة من أبرز ركائز هيمنته على لبنان، وكان يعيد تجديدها عبر أحداث معينة وبعضها مختلق أو مضخم.
مشروعية القمع في لبنان
بدأ الأمر مع حصار مدينة طرابلس واجتياحها في منتصف الثمانينيات تحت عنوان اجتثات "حركة التوحيد الإسلامية". ثم تطور الامر خلال مرحلة الوصاية إلى مقاربة أمنية توسعت حتى شملت مراقبة أنماط التدين تحت عنوان "الأمن الاستباقي".
وبعد خروج نظام الأسد من لبنان، أتيحت فسحة محدودة جرى خلالها تمرير عفو يتيم عام 2005. قبل أن تعيد المنظومة الحاكمة إحياء المعادلة نفسها بعد أن فرض حزب الله هيمنته على الحياة السياسية.وخلال هذه السنوات، تشكّلت داخل مؤسسات الدولة شبكات أمنية وقضائية، كرّست مقاربة استنسابية لهذا الملف، بحيث باتت تهمة الإرهاب، في نظر شريحة واسعة من السنة، سيفاً مصلتًا عليهم حصراً.
وقائع وأرقام
الغاية من طرح مشروع قانون العفو اليوم هو اكتظاظ السجون، حيث يبلغ عدد المسجونين قرابة 8 آلاف، بينهم ألفا محكوم، بينما لا يتعلق الجدل حول قضية "الإسلاميين" بمئات الموقوفين كما يروج، بل بعدد محدود يبلغ 146 شخصاً فقط. بينهم 66 واحداً، 53 منهم لديهم حكم بالمؤبد، و13 منهم لديهم حكم بالإعدام. مقابل 42 شخصاً يخضعون للمحاكمات، 26 أمام محكمة التمييز، و16 أمام المحكمة العسكرية، والباقون يقضون حكمهم.
وفق المعطيات من المفترض أن لا يبقى بعد سنتين تقريباً سوى 66 شخصاً، أي الموزعين بين المؤبد والإعدام.
كذلك استثني ضحايا نحو 11 ألف وثيقة اتصال من مشروع قانون العفو، رغم أنها غير قانونية في الأساس، وصدر أكثر من قرار رسمي بوقف العمل بها بقي بلا تنفيذ.
أما النقاط الخلافية التي قد تطيح بمشروع قانون العفو، ويحتدم النقاش بشأنها بين لجنة متابعة العفو وممثلي المؤسسة العسكرية تتمثل في آلية استبدال أحكام المؤبد والإعدام.
إذ أن الخلاف هو بين أن يكون الإعدام 20 سنة فعلية و25 سنة سجنية كما يطالب لجنة متابعة العفو. أما الخلاف على المؤبد فهو بين 20 و15 سنة سجنية، ولم يحلّ الخلاف بعد.
والنقطة الخلافية الثانية هي على آليات إخلاء سبيل من مضى على توقيفه 12 عاماً دون محاكمات، إذ أن العقبة برفض شمولها من لم يحضر جلسات المحاكمة آخر شهرين.
هذه النقاط لا تزال موضع تجاذب حتى اللحظة، بالإضافة الى نقطة إدغام وجمع الأحكام، والتي من شأنها أن تعرقل إقرار قانون العفو في حال لم يصار إلى حلها، حيث تتزايد الضغوط على النواب السنة لمقاطعة الجلسات إن لم يتمّ الاتفاق على تسوية مقبولة، ما أدى الى تأجيل جلسة اليوم لمزيد من التشاور.
وما يعزز الموقف السنيّ، الذي يبدو أكثر صلابة، الاتفاقية التي أبرمتها الحكومتان اللبنانية والسورية لتسليم المحكومين السوريين، فضلاً عن التسريبات المتداولة حول ضغوط تمارسها دمشق للإفراج عن الموقوفين السوريين غير المحكومين قبل حلول عيد الأضحى. وكان رئيس الحكومة نواف سلام أشار إلى متابعة تنفيذ اتفاقية السجناء في تصريحه أمام الصحفيين حول القضايا التي ناقشها مع الرئيس السوري أحمد الشرع خلال زيارته إلى سوريا.
كل ذلك يضاعف من شعور "لجنة متابعة العفو" وذوي الموقوفين والمعنيين بالقضية أن هذه هي اللحظة المناسبة لإقفال مرحلة طويلة من الاستثمار السياسي في تهمة الإرهاب، وتصويب معايير العدالة المعوجة، بما يعيد الاعتبار للآلاف ممن تعرضوا لظلم كبير، أكان بالسجن، أم بالتهميش الاجتماعي الذي طال عوائلهم، ويرون أن تضييع الفرصة مهما كانت الذريعة سيقفل المسألة إلى الأبد، وسيبقي بعبع الإرهاب سيفاً مصلتاً على الساحة السنية لإعادة استغلاله من جديد أمنياً وسياسيًا.