من حقول الجنوب المدمّرة الى اسواق التصدير: معركة البقاء الزراعي
يشهد القطاع الزراعي في لبنان مرحلة دقيقة تتداخل فيها التحديات الأمنية مع رهانات الصمود والإنتاج، في ظل تداعيات الحرب الأخيرة التي طالت مساحات واسعة من الأراضي الزراعية، لا سيما في الجنوب، مقابل محاولات رسمية للتعويض واستمرار دورة الإنتاج.
في هذا السياق، يقول وزير الزراعة نزار هاني في حديث لـ"كافيين دوت برس" إن الوزارة أعدّت تقارير أسبوعية توثّق حجم الأضرار الناتجة عن الحرب، إلى جانب متابعة تفاصيل العمل الميداني بالأرقام، مشيرًا إلى أهمية الجنوب في إنتاج الزيتون والمحاصيل الزراعية والحمضيات والموز. وأوضح أنّ "الإيجابية الكبيرة حالياً تتمثل في دخول لبنان بقوة إلى موسم الإنتاج الزراعي، خصوصاً في محصول البطاطا"، لافتًا إلى أنه جرى الاحتفال بانطلاق موسم البطاطا في عكار، إلى جانب إنتاج الخضار في البيوت البلاستيكية، على أن تبدأ قريبًا زراعة الخضار في الحقول المفتوحة، تليها الفواكه في شكل تدريجي.
ويضيف هاني أن لبنان يتجه إلى موسم زراعي قد يحقق مستوى من الاكتفاء الذاتي في مختلف المحاصيل، بما يشمل المنتجات الحيوانية مثل الحليب ومشتقاته والدواجن، إذ يرتفع الإنتاج عادة خلال فصل الربيع. لكنه أشار في المقابل إلى أن الحرب تسببت بأضرار كبيرة، حيث تضرر نحو 22% من الأراضي الزراعية، وانخفض الإنتاج بنسبة تقارب 20%، مع إمكانية التعويض جزئيًا من مناطق أخرى مثل عكار. كما شدد على أهمية معبر المصنع الحدودي، معتبراً أنه يشكل اليوم الشريان الأساسي لحركة التصدير الزراعي، في ظل إقفال معبر العبودية، ومؤكدًا أن النقل البري يبقى المدخل الرئيسي للأسواق الخارجية رغم استمرار الاعتماد على الشحن البحري لاستيراد جزء كبير من المنتجات الغذائية.
وفي إطار الرصد الدوري، تُصدر وزارة الزراعة أسبوعياً ملخصاً لتأثير الاعتداءات على الإنتاج الزراعي، تظهر فيه أرقام لافتة تعكس حجم الخسائر. فقد بلغت المساحة المتضررة الإجمالية التراكمية نحو 49,564 هكتار، منها 47,000 هكتار في الجنوب والنبطية و2,564 هكتار خارج الجنوب. فيما سُجّل خلال الأسبوع المنصرم تضرر 3,086 هكتار، توزعت بين 2,703 هكتار في الجنوب والنبطية و383 هكتار في مناطق أخرى. كما أظهرت البيانات تسجيل 17,157 مزارعًا في الاستبيان حتى الآن، بينهم 2,132 خلال أسبوع واحد، مع نزوح نحو 76.7% من المزارعين من الجنوب، مقابل 23.3% لا يزالون في بلداتهم.
وبحسب الوزير، أصبح معبر المصنع المنفذ الأبرز لتصدير الفاكهة والخضار اللبنانية نحو الأسواق العربية، ولا سيما سوريا والعراق والأردن، إضافة إلى دول الخليج عبر الترانزيت. كما يُستخدم المعبر ذاته لاستيراد المنتجات الزراعية من دول مثل تركيا وسوريا والأردن. وتبلغ معدلات الاستيراد اليومية نحو 450 طنًا، مقابل نحو 1000 طن من الصادرات خلال هذه الفترة من السنة، ما يعكس أهمية هذا النشاط في دعم الاقتصاد وتأمين أسواق خارجية للمنتجات اللبنانية.
ولا تقتصر أهمية المعبر على المنتجات النباتية، بل يمتد دوره إلى القطاع الحيواني، حيث يُستخدم لتصدير اللحوم المحضّرة والطازجة والمزيدات العلفية، فيما تدخل عبره المواشي الحيّة ومنتجات الألبان والأدوية البيطرية. كما تمرّ عبره الأسماك الطازجة بنظام الترانزيت من تركيا ومصر، في ظل ارتفاع كلفة الشحن البحري. كذلك يشكل المعبر نقطة أساسية لإدخال مستلزمات الإنتاج الزراعي، من أسمدة وأدوية، ما يساهم في استمرارية العملية الإنتاجية رغم الظروف الصعبة.
وفي موازاة ذلك، تؤكد وزارة الزراعة أنها اتخذت سلسلة من التدابير والإجراءات الإدارية والتنظيمية لدعم القطاع وتعزيز الأمن الغذائي. وتشمل هذه الإجراءات مراقبة سلاسل الإمداد الغذائي، دعم المزارعين لتصريف إنتاجهم، دعم قطاع البطاطا، واتخاذ تدابير استثنائية لتسريع استيراد المنتجات النباتية، إلى جانب تمديد مهلة استيراد بعض المواد الأساسية. كما أعادت الوزارة السماح باستيراد المواشي الحيّة من الدول الخالية من الأمراض، ونسّقت مع قيادة الجيش لمساعدة المزارعين غير النازحين على نقل قفران النحل، ومع وزارة الاقتصاد لمراقبة الأسواق والأسعار.
كذلك تعمل الوزارة على تسريع المعاملات الإدارية وتكثيف العمل في المرافئ والمعابر ومراكز الحجر والمختبرات لتسهيل دخول البضائع، إضافة إلى التنسيق مع شركائها لتأمين الموارد اللازمة لدعم المزارعين المتضررين في الجنوب ومناطق النزوح. وقد شملت التدخلات حتى الآن تقديم مساعدات طارئة لـ35 مربي مواشٍ لا يزالون في المناطق الخطرة و73 في مناطق النزوح، فيما يجري التحضير لدعم 1,163 مربي مواشٍ ومربي نحل إضافيين.
وتعمل الوزارة، بالتعاون مع الشركاء والجهات المانحة، على تنفيذ برامج تهدف إلى تعزيز صمود المزارعين، خصوصاً أولئك الذين لا يزالون في المناطق المهددة، من خلال تقديم دعم مباشر يمكّنهم من شراء الأعلاف والمدخلات الزراعية الأساسية، بما يضمن استمرارية الإنتاج. وتبدأ آلية تقديم المساعدات بتسجيل المزارعين عبر منصة مسح الأضرار، يليها تقييم الاحتياجات والتحقق الميداني، ثم تحديد الأولويّات، حيث تُعطى الأفضليّة للمزارعين في المناطق الخطرة، قبل حشد التمويل من الجهات المانحة والموافقة على الدعم وتنفيذه، وصولاً إلى متابعة أثر هذه المساعدات لضمان فعاليتها.
في المقابل، تبدو صورة الميدان أكثر قتامة، إذ يؤكد رئيس جمعية المزارعين أنطوان الحويك في حديثه لـ"كافيين دوت برس" أن حجم الأضرار لا يمكن تقديره بدقة في الوقت الراهن، ربطاً بتطور الأوضاع الميدانية وإمكانيّة عودة المزارعين إلى أراضيهم. ويوضح أن الحمضيات والموز هما الأكثر تضررًا حاليًّا، نظرًا الى تزامن الحرب مع موسم قطافهما، في وقت يعجز فيه المزارعون عن الوصول إلى أراضيهم جنوب الليطاني أو نقل إنتاجهم بسبب المخاطر الأمنية وارتفاع كلفة النقل.
ويشير الحويك إلى أن تراجع الإنتاج أدى إلى انخفاض العرض في الأسواق، ما تسبب بارتفاع أسعار عدد من السلع الزراعية مثل الحمضيات والموز والأفوكادو، وكذلك الخضار التي كانت تُزرع في سهول الجنوب والساحل، مثل سهل مرجعيون. ويرى أن غياب الدعم الرسمي الفعّال، ولا سيما عدم تفعيل صندوق الضمان الزراعي، يترك المزارعين في مواجهة مصيرهم، واصفاً الوضع بأنه "كارثة" تطال هذا القطاع الحيوي.
أما على مستوى الشهادات الميدانية، فيروي أحد المزارعين من بلدة شيحين الحدودية معاناته بعد تدمير أرضه، قائلاً إنه كان يملك 12 دونمًا مزروعة بأشجار الزيتون تشكّل مصدر رزقه الأساسي، لكن الجيش الإسرائيلي اقتلع الأشجار بالكامل. ويضيف أن فقدان الأرض يعني فقدان مصدر الدخل الوحيد، مطالبًا الدولة بإعادة تأهيل الأراضي الزراعية بعد انتهاء الحرب، خصوصاً في ظل تعرضها للقصف بالفوسفور، إضافة إلى ضرورة تعويض المزارعين عن خسائرهم.
لقرائة الملف، اضغط على الرابط:
https://drive.google.com/file/d/11uszpn8qrvP0YG2DzkiSlK0uuP1_LTzw/view?usp=sharing