"كافيين دوت برس" في جولة داخل الضاحية: عودة خجولة بالأرقام رغم الهدنة

"كافيين دوت برس" في جولة داخل الضاحية:  عودة خجولة بالأرقام رغم الهدنة

الدمار في الضاحية الجنوبية 

منذ إعلان الهدنة في الضاحية الجنوبية لبيروت، بدأت ملامح الحياة تعود تدريجيًا، لكن بخطى حذرة ومثقلة بذاكرة الحرب. فخلال الجولة الأولى من الهدنة التي امتدت عشرة أيام، سُجّلت عودة خجولة للسكان وأصحاب المحال، قبل أن تُمدَّد المهلة لثلاثة أسابيع إضافية، ما أعطى فسحة أمل محدودة لإعادة التقاط الأنفاس. في هذا السياق، أجرى موقع "كافيين دوت برس" جولة ميدانية شاملة على مختلف مناطق الضاحية لرصد حجم العودة الفعلية، واستطلاع واقع المحال التجارية بين من استأنف عمله ومن لا يزال أسير الخوف والخسارة.

في منطقة حارة حريك، التي نالت النصيب الأكبر من الغارات خلال الحربين، لا يزال الدمار يطغى على المشهد، خصوصاً في محيط جامع الحسنين حيث الطرقات مقفلة والركام حاضر في تفاصيل الحياة اليومية. وعلى الرغم من ذلك، تبين خلال الجولة أن نحو 40 محلاً يفتح أبوابه يومياً، إضافة إلى عدد من المحال التي لا تزال في طور الترميم. إلا أن وتيرة الحياة هنا تنطفئ باكراً، إذ تُقفل معظم المحال عند الساعة السادسة مساءً، حيث يفضّل كثير من أصحابها العودة إلى أماكن نزوحهم خشية الغارات الليلية، فيما يضطر آخرون للمغادرة بسبب فقدان منازلهم. وبين هؤلاء، من يختار البقاء لساعات إضافية أمام محله، يستعيد مع أصدقائه ذكريات ما قبل الحرب تحت ضوء خافت.

تفاوت في الحركة بين المناطق

 

أما في منطقة بئر العبد، التي لطالما اشتهرت بأسواقها الحيوية، فقد بدت الحركة أكثر نشاطًا نسبيًا رغم الأضرار التي طالتها، لا سيما عند تقاطع الشورى. الطرقات هنا مفتوحة، ويُقدّر عدد المحال العاملة بنحو 100 محل، تتنوع بين الحلاقة والمقاهي وتصليح السيارات والدراجات ومحال الألبسة والذهب والمكاتب. غير أن كثيراً من هذه المحال يعمل بواجهات موقتة من الألمنيوم بدل الزجاج، في مؤشر واضح على حجم الخسائر. وتبرز مشاهد الإصرار في تفاصيل الحياة اليومية، كما في حالة أحد أصحاب محال تصليح الدراجات الذي واصل العمل أمام ركام محله المدمر، قائلاً: "بدنا نعيش ونربي أولادنا".

وفيما غابت المطاعم عن حارتي حريك وبئر العبد بشكل شبه كامل، برز أوتوستراد السيد هادي كمحور أساسي لعودة هذا القطاع، رغم تعرضه لعشرات الغارات. فقد أعاد "مطعم الأغا" فتح أبوابه على مدار الساعة، إلى جانب عدد من المطاعم والأفران الأخرى، ليبلغ عدد المحال العاملة على هذا الخط نحو 30 محلاً، موزعة بين مطاعم ومحال حلاقة وألبسة.

 

وفي الرويس، وتحديدًا في محيط مجمع سيد الشهداء، لا تزال الطرقات مقفلة من الجهات الأربع نتيجة الدمار الهائل، ما حدّ من عودة النشاط التجاري إلى نحو 20 محلاً فقط، معظمها يقدم خدمات أساسية مثل الطعام أو تحويل الأموال عبر محال الهواتف. أما في منطقة الصفّير، التي كانت تضم سوقًا ناشطًا قرب ملعب الراية، فقد انحسر عدد المحال إلى نحو 25 فقط، بينها دكاكين وأفران ومحال ألبسة، تلبي الحدّ الأدنى من احتياجات السكان العائدين.

 

وفي الجاموس، يبدو المشهد أكثر قسوة، إذ تحوّلت المنطقة إلى ما يشبه مدينة أشباح بعد غروب الشمس، مع إغلاق شبه كامل للمحال باستثناء بعض المقاهي. ولم يتجاوز عدد المحال المفتوحة هناك 15 محلاً، وهو الأدنى بين جميع المناطق التي شملتها الجولة.

في المقابل، بدت مناطق برج البراجنة والشيّاح وحيّ السلم والطيّونة أكثر تماسكًا، إذ لم تتعرض لغارات كثيفة، ما ساهم في بقاء عدد كبير من سكانها. ونتيجة لذلك، عادت نحو ثلاثة أرباع المحال إلى العمل، وتشمل مطاعم وأفرانًا وملاحم ومحال هواتف وحلويات وورش تصليح. ويروي أحد أصحاب المحال في حيّ السلم أنه لم يغادر الضاحية طوال فترة الحرب، بل كان يفتح يوميًّا ويغلق ابوابه عند العصر ليمضي الليل خارجها، قبل أن يعود للنوم في منزله مع هدوء الغارات.

ومن كنيسة مار مخايل مروراً بالمشرفية وصولاً إلى الغبيري، برزت نقاط مضيئة في قلب الأزمة، مثل "فرن قلقاس" الذي شكّل وجهة مكتظة حتى في ذروة الحرب، رغم المخاطر المحيطة به، وكذلك "مطعم الجواد" الذي فاجأ الجميع بإعادة افتتاحه، ليشهد إقبالاً كثيفاً ملأ طابقيه وامتد إلى المنتظرين في الخارج. ويُقدّر عدد المحال العاملة في هذه المناطق بنحو 90 محلاً، مع تركّز لافت لورش تصليح السيارات في الغبيري.

ولا يمكن إغفال الدور الاجتماعي الذي تلعبه المقاهي، إذ يُقدّر عددها بنحو 200 مقهى موزعة في الضاحية، تبقى مفتوحة حتى ساعات الفجر الأولى، وتشكل متنفسًا يوميًّا للناس في ظل الضغوط النفسية والمعيشية. في المقابل، تشهد حركة السير ارتفاعًا تدريجيًا، لا سيما قرب مراكز تصليح السيارات، فيما استعادت الجسور والطرقات الرئيسية جزءًا من نشاطها، مع تسجيل زحمة خجولة في بعض المحاور.

 

وفي ما يخصّ الأسواق التجارية، أظهرت جولة موقع "كافيين دوت برس" تفاوتًا واضحًا في نسب عودة النشاط بين منطقة وأخرى، إذ لم تتجاوز الحركة في سوق معوّض 10% مما كانت عليه قبل الحرب، فيما بلغت نحو 15% في سوق بئر العبد. أما في سوق برج البراجنة، فقد وصلت نسبة النشاط إلى نحو 30%، في حين سُجّلت النسبة الأعلى في سوق الشياح مع حوالي 40%، وذلك وفق الإحصاءات الميدانية ، ما يعكس تفاوتًا في وتيرة التعافي تبعًا لحجم الأضرار وعودة السكان في كل منطقة.

 

وفي سياق الأضرار التي خلّفتها الغارات، لم تقتصر الخسائر على المباني والمحال التجارية، بل طالت أيضًا وسائل النقل، إذ بلغ عدد السيارات المتضررة في الضاحية أرقاماً لافتة. فقد تم رصد تضرر ما لا يقل عن 50 سيارة في بعض المناطق، وذلك بحسب جولات الإحصاء الأولية المباشرة ، في مؤشر إضافي على حجم الدمار الذي طال مختلف مظاهر الحياة اليومية.

 

اقتصاد ضعيف وسكان غائبون

 

وعند ختام الجولة، يتضح أن النشاط التجاري لا يزال بعيدًا عن مستوياته السابقة، إذ لم يتجاوز حجم المبيعات نصف ما كان عليه قبل الحرب، نتيجة بطء عودة السكان. وتشير التقديرات إلى أن كل مبنى مأهول يضم شقتين فقط في المتوسط، ما يعكس حجم الفراغ السكاني. ولا تتعدى نسبة عودة السكان إلى منازلهم ومحالهم 35%، فيما لا تتجاوز الحركة التجارية 25% من مستواها الطبيعي.

 

ورغم هذا الواقع، تبدو الضاحية الجنوبية وكأنها تقف على عتبة مرحلة انتقالية، تتحسن فيها المؤشرات تدريجيًا ولكن بحذر شديد. فالعودة الكاملة إلى ما كانت عليه قبل الحرب، كما في عام 2024، لا تزال مؤجلة، وربما مرهونة بقرارات سياسية وأمنية، أبرزها تحييد المنطقة في شكل فعلي. وحتى ذلك الحين، تبقى الضاحية بين خوف لم يندثر، وإرادة حياة لا تنكسر.

 

اقرأ المزيد من كتابات ربيع يونس