باخرتان في المرفأ ومحطات خارج الخدمة كهرباء لبنان ومعادلة النفقات والجباية في الحرب
في خضم تصاعد التوترات الإقليمية وتداعيات الحرب المستمرة على لبنان، تعود أزمة الكهرباء إلى واجهة الأحداث مجددًا، محمّلة بملف معقد يجمع بين شحّ الموارد المالية، وارتفاع جنونيّ في أسعار المحروقات، وتصريحات متباينة بين وزارة الطاقة والمياه ومؤسسة كهرباء لبنان. بينما يسعى المسؤولون إلى طمأنة اللبنانيين بأن التغذية ستستقرّ عند معدلاتها الحالية، تكشف معطيات ميدانية وإجراءات فنيّة عن تخفيضات في الإنتاج قد تعيد المشهد إلى مربع الانقطاعات الطويلة، في وقت تتصارع فيه الرواية الرسمية مع ما ينشره الإعلام حول خلافات حادة بين القيادات المعنية.
في محاولة لضمان استمرارية التغذية بالتيار الكهربائي، كشف مستشار وزير الطاقة جورج عاقوري لـ"كافيين دوت برس"، أن وزير الطاقة جو صدي وقّع مناقصة لتوليد الكهرباء تمتد حتى شهر حزيران المقبل، بالإضافة إلى إمضاء دفتر شروط خاص بمناقصة تغطي شهري تموز وآب.
وقال أن البحر مفتوح ولا حصار بحريّ على لبنان، مما يعني استمرار وصول الفيول والمحروقات، لكنه حذّر من أن المشكلة الأساسية تكمن في ارتفاع الأسعار جراء الحرب القائمة والأزمة العالمية. ولفت إلى وجود باخرتين في مرفأ بيروت تقومان بتفريغ حمولتهما من الفيول، في إشارة إلى توفر المخزون لحاجة الشهر المقبل.
نفي قاطع للخلافات بين الوزارة والمؤسسة
وسط سيل من التسريبات الإعلامية حول وجود خلافات حادة بين المدير العام لمؤسسة كهرباء لبنان كمال حايك ووزير الطاقة جو صدي، جاء الرد من عاقوري بنبرة حاسمة، معتبراً أن ما يجري تداوله حول هذا الخلاف "غير موجود"، ومكتفياً بالقول إنه يفضل عدم التعليق، محيلاً الاستفسارات إلى المدير العام نفسه.
حايك: لا تقنين اضافيًّا
من جانبه، خرج المدير العام لمؤسسة كهرباء لبنان كمال حايك بتصريح لـ"كافيين دوت برس" نفى فيه بشكل قاطع وجود أي توّجه لفرض تقنين إضافي في التغذية الكهربائية.
وأكد أن المؤسسة اتخذت كافة الإجراءات اللازمة للحفاظ على استقرار التغذية عند معدل 6 ساعات يوميًّا، طالما استمرت إمدادات المحروقات بالوصول دون عوائق. مشدداً على أن المخزون الحالي من الفيول كافٍ لتأمين التغذية لأكثر من شهر، وأن ما يتم العمل عليه حالياً هو تحديث الاستراتيجية الإنتاجية ضمن خطة تشغيليّة أعدّت منذ بداية الأزمة، بهدف ضمان استمرارية الخدمة للمرافق الأساسية (المرفأ، المطار، مضخات المياه، الصرف الصحي، السجون) وتجاوز المرحلة الصعبة بأقل الأضرار الممكنة.
و اكتفى حايك بنفي مؤسسة كهرباء لبنان في بيانها أي نقاش حول مراجعة التعرفة الكهربائية المعتمدة منذ نهاية عام 2022، مؤكدة أنها لا تزال سارية المفعول.
وشدّد على أن جميع الإجراءات التي تتخذها المؤسسة تتمّ بالتنسيق الكامل والمباشر مع وزير الطاقة، واصفًا العلاقة بين الجانبين بأنها قائمة على التواصل المستمر والتشاور الدائم.
تخفيض للحفاظ على المخزون
على النقيض من نفي "التقنين المتعمد"، كشفت مصادر متابعة للملف عبر "كافيين دوت برس" عن إجراءين فنيين اتخذتهما المؤسسة مطلع آذار الجاري، الأول في السابع والثاني في الثالث عشر من الشهر، تم بموجبهما تخفيض القدرة الإنتاجية.ووفق المصادر، فإن هذا التخفيض يهدف إلى تأمين استمرارية التغذية بما يتراوح بين 4 و6 ساعات يومياً، بحسب حالة الطقس والمنطقة الجغرافية. وأشارت إلى أن هذه الإجراءات تأتي ضمن خطة طوارئ أعدت فور اندلاع الحرب الأخيرة على لبنان، بهدف الحفاظ على المخزون لأطول فترة ممكنة، خاصة مع توقف الجباية تماماً في مناطق الجنوب والبقاع الشمالي والضاحية الجنوبية بسبب النزوح والأوضاع الأمنية.
في تحليل للأسباب الكامنة وراء هذه الإجراءات، أوضحت المصادر أن مؤسسة كهرباء لبنان تواجه معادلة صعبة: تزايد النفقات مقابل تراجع الواردات. فبينما كانت كلفة استجرار 70 ألف طن من المازوت تقارب 50 مليون دولار سابقاً، تجاوزت اليوم حاجز الـ90 مليوناً بسبب ارتفاع أسعار النفط عالمياً. وفي المقابل، تراجعت إيرادات الجباية من 66 مليون دولار الشهر الفائت إلى أقل من 40 مليوناً هذا الشهر، مع استمرار توقف التحصيل في مناطق واسعة.
إصرار على تثبيت الشبكة رغم خروج محطات رئيسية
رغم كل التحديات، تشدد المصادر على أن المؤسسة تسعى حثيثاً إلى تثبيت الشبكة، والإصرار على إنتاج ما يفوق الـ500 ميغاوات لتجنب الانقطاعات الشاملة. لكن الواقع الميداني يعكس تحديّات إضافية، إذ أصبحت ثلاث محطات أساسية (السلطانية، الطيبة، والضاحية الجنوبية) خارج الخدمة، مما أدى إلى نزوح السكان من تلك البلدات إلى مناطق أخرى، لا سيما بيروت، حيث كثفت المؤسسة فرقها الفنية لمواكبة الضغط المتزايد على الشبكة في أماكن النزوح.
بهذه الطريقة، يبقى ملف الكهرباء في لبنان مسرحاً للتناقضات بين التصريحات المطمئنة من جهة، والإجراءات التقشفية والواقع المالي الصعب من جهة أخرى، في وقت يترقب فيه اللبنانيون ما ستؤول إليه خطة الطوارئ في ظل اشتعال الحرب وارتفاع أسعار النفط.