لبنان محكوم بصيغة اللاغالب واللامغلوب
ثمة خشية لدى فريق سياسي من الآتي ومقبل الايام، بعد توقيع اتفاق الاطار بين لبنان واسرائيل من خلال معارضة البعض له او التعامل معه بحذر متخذًا موقفًا وسطيّا بين مؤيد لشقّ منه والنظر الى هذا الاتفاق بقلق في شقّ آخر منه بالنسبة الى البعض الآخر. هذا الاتفاق الاطار الذي يعود دستوريًا لرئيس الجمهورية جوزف عون توقيعه انطلاقًا من الصلاحية الممنوحة له بموجبه، لا يرقى الى اتفاقية بمعنى معاهدة، والتي تتطلب المصادقة عليها من مجلس النواب. تمامًا كإتفاق الترسيم البحري الذي وقع عليه الرئيس السابق للجمهورية ميشال عون، والترسيم المماثل مع قبرص الذي حمل توقيع رئيس الجمهورية عون. بفارق التموضعات السياسية بين حقبتي التوقيعين وتبدل موازين القوى، التي كانت سائدة في العهد السابق ومرحلة الفراغ الرئاسي التي تلته، والتموضعات التي افرزتها تدريجًا حرب الاسناد الاولى التي سبقت تولي العهد وحكومته الحالية وبعدهما حرب الاسناد الثانية ووقعها الاقسى حدّة بالضحايا الذين سقطوا والدمار الهائل الذي خلفته واندثار قرى بكاملها ، عدا انعكاساتها السلبية على الواقع الاقتصادي.
بوادر انتقال الدفة السياسية معطوفة على تطورات الرعاية الاميركية المنفتحة اكثر على لبنان سياسيًا وامنيًا، والتي ادت الى ولادة اتفاق الاطار، وقبله ادراج لبنان على مذكرة تفاهم إسلام اباد، ثم التنسيق مع رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة نواف سلام وقائد الجيش رودولف هيكل تحت لواء الدولة، وصولًا الى توقيع اتفاق الاطار ومتابعة المرحلة الاولى لتطبيق خطة المناطق التجريبية كلّها تصبّ في خانة تعزيز مقومات سلطة الدولة، واغلب الظن ان ذلك مبعث هذا القلق الذي يمكن على حساب القيادات والزعامات التقليدية الموجودة في الدولة أصلًا، وتخطاها البعض منهم مع مرحلة اضعاف وجودها، الذي كاد ان يتحلل وان يفرط عقدها وعقد الغالبية السياسية في غمرة الفراغ الرئاسي والسلطة التشريعية واعادة استيلاد هذين الموقعين، وصولًا الى فشل محاولات تشكيل اجماع حول قراراتهما في تنفيذ مقررات الحكومة كاملة في شأن نزع سلاح حزب او احتوائه وعودة الحرب من جديد والتي قلَّصت النفوذ والاحجام.
والمسألة اليوم بإزاء بداية هذه التحولات هو مدى الهامش الاعتراضيّ الكليّ او الوسطي على اتفاق الاطار والقلق الناشىء عن نتيجة تبلوره ما يضع البعض من القلقين امام خيار السير في ركاب هذه التحولات والتماهي اكثر مع إطار الدولة. وخلاف ذلك بالنسبة الى البعض الآخر يعني مزيدًا من القتل والدمار، فلا المحاولات التقليدية الميدانية التي حصلت جنوبًا في اليومين الماضيين يمكن ان تعيد الزمن الى الوراء او ان توفر الضمانات خارج الاطار المؤسساتي او ان تبحث عن مقايضة بثمن في السلطة، فلا عناصره متوفرة في موازين الربح والخسارة ، ولا التجربة المديدة دلّت عن ان البديل موئل امان في بلد محكوم بتعدد الطوائف المحكوم عليهم بالتعايش تحت مظلة واحدة وصيغة اللاغالب واللامغلوب.