لبنان بلد الفرص الضائعة
ثمة مقولة اميركية دائمة تنقلها اوساط لبنانية على صلة بالدوائر الاميركية الضيّقة، ان لبنان اكثر من يضيّع الفرص. وهو يضيّعها مرة تلو أخرى فلا يسعى الى ان يلتقطها الا بعد فوات الاوان.
مناسبة التذكير، هي ان في وقت كان لبنان ينتظر اجتماعات الرئيس الاميركي دونالد ترامب برئيس الوزراء الاسرائيليّ بنيامين نتناياهو في فلوريدا، لمعرفة تداعيات اللقاء ونتائج الضغط الاميركي للّجم التصعيد الاسرائيليّ،كان العالم يهتزّ تحت بضعة عناوين اساسية: الولايات المتحدة تقبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاوس مادورو وزوجته، والعالم يخضع لتأثيرات الاسواق العالمية ويرصد ردود الفعل الصينية والروسية على الحدث الاميركي في اميركيا اللاتينية. ايران تواجه تظاهرات داخلية وانذارات من ترامب بالتدخل لصالح المتظاهرين. الرئيس الاوكراني فلاديمير زيلنسكي يتابع مع ترامب تفاصيل خطة السلام الاميركية. والاقرب الينا مفاوضات سوريّة اسرائيليّة في باريس بوساطة اميركية يحضرها وزير الخارجية السوريّ اسعد الشيباني ورئيس الاستخبارات العامة حسين السلامة.
كل هذا المشهد المتحرك دوليّا واقليميّا، يحصل فيما لبنان يناقش الموازنة واحتمالات وضع مشروع قانون الانتخاب على الطاولة، ومشروع قانون الفجوة المالية، وكأنه خرج كليّا من تبعات التهديدات الاسرائيلية، التي، للمفارقة، استعادت زخمها امس جنوبًا وبقاعًا.فيما لبنان يتهيأ عبر مجلس الوزراء للاعلان عمّا سيبلغه الجيش الى مجلس الوزراء من انتهاء مهمته في جنوب الليطاني، وتجتمع لجنة الميكانيزم بلا اي حضور سياسيّ.
وفي المقابل لا يزال المتواصلون مع الدوائر الاميركية يعكسون جوًا اميركيًا تجاه لبنان هو نفسه منذ شهور، وهو ان لبنان لم يقم بما عليه، حتى الان. وهو اضاع الفرصة التي اوجدتها واشنطن امامه على مدى شهور من اجل ضبط الوضع في الجنوب، بما يرتدّ على الداخل كذلك، من دون ان ينجز جديّا الاجندة المطلوبة منه. وهذه الفرصة، من الصعب ان تتكرر، وفقًا لانشغالات الدول الكبرى بقضايا اهمّ واكثر ضرورة وتأثيرًا على المشهد الدولي، من الوضع اللبناني. وهذه الانشغالات تستفيد منها اسرائيل في اي مغامرة محسوبة او غير محسوبة في اطلاق يديها في لبنان عبر عمليّات نوعية، من دون ان تصل الى حد تكبير حجم المغامرة، فلا تعيد توجيه الانظار الى لبنان، فيما العالم مشغول بايران وفنزويلا واوكرانيا، وتبعات الساحات الثلاث. وهذا يعني ان لبنان سيكون مقيّدا في المرحلة المقبلة، ما لم يبادر الى كسر حلقة الجمود التي يعيشها في الوقت الراهن. فما دامت واشنطن لم تفرج بعد عن اي محاولة انقاذية تتعلق بوضع لبنان على سكة الحالّ عسكريّا وماليّا واقتصاديّا، فانه من المنتظر ان تتضاعف كمية الاوراق التي قد تعيد اشغال لبنان بتوترات تبدأ من الجنوب وقد لا تنتهي عند الليطاني. لان اسرائيل لا تعنيها خطة الجيش او حدودًا رسمتها "تسويات ظرفية"، كمثل اتفاق وقف النار. فما تريده اسرائيل حقًا هو تسوية دائمة لا ظرفية. وواشنطن ليست بعيدة عن هذا المطلب.