لبنان على صفيح التسويات الكبرى والمسيحيّون يلوّحون بخط المواجهة

لبنان على صفيح التسويات الكبرى والمسيحيّون يلوّحون بخط المواجهة

يقف المسيحيون اليوم على أعتاب مرحلة مفصليّة تتكثّف فيها الضغوط الخارجيّة وتتفاقم فيها تعقيدات الداخل، في ظل مؤشرات جدّية إلى إعادة صياغة موازين القوى تحت عناوين تسوية شاملة قد تكون على حسابهم. ويعكس الحراك السعودي–الفرنسي المتسارع، إلى جانب التباينات الحادة في مقاربة الملف اللبناني، توجّهًا نحو هذا المسار. إذ إنّه على امتداد التاريخ اللبناني الحديث، غالبًا ما اقترنت التحولات الكبرى بأثمان دفعها المسيحيون في أكثر من محطة أمام وقائع مفروضة نتجت عن تقاطعات الخارج وحدود الداخل.
 في هذا المناخ، يتقدّم القلق داخل الأوساط المسيحيّة، ولا سيّما الحزبيّة منها، إلى واجهة المشهد السياسي، متخذًا طابعًا غير مسبوق من حيث العمق والحدّة. إذ تشير أوساط حزبيّة مطّلعة إلى أنّ هذا القلق لم يعد مجرّد ردّ فعل على تطورات آنيّة، كما جرت العادة، إنّما بات تعبيرًا عن خشية فعلية من إعادة صياغة التوازنات الوطنية على حساب الدور المسيحي، على غرار ما حدث في محطات مفصلية سابقة.
 وتوازنًا مع ذلك، تفيد المعطيات بأنّ مرحلة الارتياح النسبي التي سادت مع بداية عهد رئيس الجمهورية جوزف عون، على خلفية تصاعد الخطاب الداعي إلى تكريس منطق الدولة وحصرية السلاح بيد الشرعية، أخذت بالتراجع تدريجيًا مع بروز معطيات جديدة. ويأتي في مقدّم هذه المعطيات تداخل المبادرات الخارجيّة، ولا سيما التحرّك السعودي–الفرنسي، وما يرافقه من تضارب في الرؤى حيال مستقبل لبنان، الأمر الذي أعاد إلى الواجهة هواجس عميقة من احتمال تحوّل التسويات المرتقبة إلى منصّات مقايضة كبرى تُدرج فيها الملفات اللبنانية ضمن سلّة مصالح إقليمية أوسع.
 وعلى الصعيد نفسه، تكشف الأوساط المسيحيّة نفسها عن تصاعد ملحوظ في وتيرة اللقاءات والاتصالات بين مختلف القوى المسيحية المؤثرة، سواء على مستوى القيادات أو الشخصيات التي تقود تيارات سياسية وازنة، مشددةً على أنّ هذه الاجتماعات باتت تتّسم بطابع استراتيجي يهدف إلى بلورة موقف سياسي متماسك إزاء الاستحقاقات المقبلة، في ظل إدراك متزايد لحساسية المرحلة ودقّتها.
 وتضيف أنّ النقاشات بلغت مستويات عالية من الصراحة، حيث يجري التأكيد، ولا سيما في أوساط "القوات اللبنانية"، أنّ أي تسوية مقبلة لن تكون مقبولة إذا أعادت إنتاج معادلات تُقصي أو تُهمّش الدور المسيحي. ويبدو أنّ هذا التوجّه يجد صداه لدى شرائح واسعة من القوى السياسية، التي باتت تميل إلى تبنّي خيارات أكثر تشدّدًا في مقاربة المرحلة المقبلة.
 وعلى نحو متقاطع، يبرز توجّه آخذ في التبلور داخل أكثر من حزب مسيحي يقوم على رفض العودة إلى منطق التسويات التقليدية التي أثبتت، وفق هذه الأوساط، عجزها عن تحقيق شراكة متوازنة. بل إنّ بعض الطروحات المتداولة في الأطر الداخليّة، ولا سيّما على لسان رئيس حزب "القوات اللبنانية"، سمير جعجع، تذهب أبعد من ذلك، إذ تدعو إلى رفع سقف المواجهة السياسية وصولًا إلى إعادة النظر في بنية النظام، إذا تبيّن أنّ المسار الحالي يقود إلى تهميش المسيحيين وإقصائهم عن المشهد.
 ويستند هذا التصعيد في الخطاب إلى قراءة تراكميّة لتجارب سابقة، ترى فيها هذه الأوساط أنّ التسويات الكبرى في لبنان غالبًا ما جاءت نتيجة تفاهمات خارجية فُرضت على الداخل أكثر مما صيغت بإرادته. ومن هنا، يتعزّز الاتجاه نحو عدم القبول مجددًا بدور المتلقّي، والسعي بدلًا من ذلك إلى فرض حضور فاعل في رسم ملامح المرحلة المقبلة.
 
 التوازن الشيعي–السني وخطوط حمراء مسيحيّة

 
برزت حالة من التوتر في الأسابيع الأخيرة، على خلفية التباينات بين رئيس الحكومة نواف سلام ووزراء "حزب الله"، والتي أخذت طابعًا مذهبيًا، وما رافق ذلك من اعتراضات على قرارات سلام، الأمر الذي انعكس في إلغاء زيارته إلى واشنطن تفاديًا لأي تصعيد محتمل. تزامن ذلك مع تحرّك لافت تمثّل بزيارة موفد رئيس مجلس النواب نبيه بري، النائب علي حسن خليل، إلى الرياض بهدف المساهمة في تهدئة الأجواء وإعادة ضبط مسار التهدئة السياسيّة.
عندها، بدأت بعض الدوائر السعوديّة المعنيّة بالشأن اللبناني بالتشديد على أهميّة العودة إلى تطبيق اتفاق الطائف باعتباره الإطار الدستوري القادر على إخراج لبنان من أزماته المتراكمة. وتشير أوساط متابعة لهذا التحرّك لـ"كافيين دوت برس"، إلى أن "حزب الله" يُبدي ارتياحًا نسبيًا لهذا الحراك السعودي، من منطلق اعتقاده بإمكانيّة أن يفضي أي مسار تسوية إلى ترتيبات سياسية داخلية، قد تتضمن إعادة توزيع بعض المواقع داخل مؤسسات الدولة، بما في ذلك مواقع من الفئة الاولى، مقابل تسليم سلاحه.
غير أنّ "الطائف"، بصيغته الحالية، لا يتضمن أي نص يربط مواقع  من الفئة الاولى بالطائفة الشيعية، إلاّ في حال تمّ الذهاب إلى ورشة إصلاحيّة يُعاد فيها النظر ببعض البنود وفق أهواء بعض الأحزاب. ففي هذا الإطار، تؤكد الأوساط أنّ المملكة العربية السعودية لا تتجه إلى تهميش المكوّن المسيحي، ولا سيما من حلفائها، إنّما تحرص على الحفاظ على توازن العلاقة معهم.
وفي حال تطوّر الضغط السعودي في اتجاه الدفع نحو تسويات على حساب المسيحيين، تؤكد الأوساط نفسها أن "القوات" و"الكتائب"، رغم تقديرهما للدور السعودي في دعم الاستقرار في لبنان وصلابتهما معه، ستتعاملان مع أي طرح من هذا النوع انطلاقًا من اعتبارات وطنية وهوية سياسية ثابتة، مع التشديد على رفض أي تسويات تمسّ بوجودهما أو تُفرض عليهما.
بعد اليوم، لم يعد السؤال المطروح هو كيفيّة إدارة المرحلة الراهنة، إنّما أيُّ لبنان سيخرج منها. وبين تسويات تُطبخ في الخارج وتوازنات تُفرض في الداخل، تقف القوى المسيحيّة أمام اختبار حاسم: إمّا شراكة حقيقية تعيد إنتاج الدولة الشرعية، أو الذهاب إلى صيغة جديدة. 
 
 
 


 
 
 


 

اقرأ المزيد من كتابات كارين القسيس