عقيص: مبروك مطار القليعات وإلى مطار رياق دُرّ • مرتضى يلاقيه في الطرح: الدولة مطالبة بإنصاف البقاع

عقيص: مبروك مطار القليعات وإلى مطار رياق دُرّ •  مرتضى يلاقيه في الطرح: الدولة مطالبة بإنصاف البقاع

صورة من الجوّ لمطار ريّاق العسكريّ تعود لسنة ١٩٢٧. وتظهر في خلف الصورة بلدة ابلح، حيث لم تكن قد أُنشئت بعد ثكنة الجيش الفرنسيّ. الصورة من ارشيف الطيار العسكريّ ارتور بوسلير، من موجودات المكتبة الشرقية للآباء اليسوعيين.

 

احتفل أبناء الشمال بافتتاح مطار القليعات باعتباره حدثًا تنمويًا مهمًا يعلن أخيرًا أنّ الدولة تذكّرت أنّ هناك جغرافيا خارج العاصمة. مشروع طال انتظاره، طبعًا، وكأنّ الانتظار في هذا البلد هو السياسة العامة المعتمدة للتنمية: نصبر عقدًا أو عقدين، ثمّ نحتفل بأنّ أحدًا ما التفت إلينا بالخطأ. 

في المقابل، لا يشهد البقاع احتفالات ولا مراسم قصّ شرائط، إنّما يكتفي بسؤال يتيم يُعاد طرحه منذ سنوات: هل لا يزال حاضرًا على الخريطة الإنمائية للدولة، أم أُودع في أرشيف "لاحقًا"؟ وبينما تُفتَح بوابات جديدة في الشمال، تبقى أبواب الإهمال مشرعةً في البقاع، من دون حاجة إلى أي افتتاح رسمي. 

 

طريق ضهر البيدر وصولًا إلى جديتا وشتورا وزحلة، امتدادًا إلى البقاع الشمالي، يشكّل نموذجًا واضحًا لواقعٍ تنموي يقوم على الحد الأدنى من الصيانة، إن وُجدت أصلًا. بلدات تبدو وكأنها خارج نطاق الخدمة الفعلية، تتراجع فيها الخدمات العامة تدريجيًا، ويتحوّل الحديث عن المشاريع الاستثمارية إلى وعودٍ متكررة أقرب إلى التهكم، تُتداول أكثر مما تُترجم على أرض الواقع. 

البقاع، الذي تُرك لمصيره، لم يجد من يتبنّى ملفه أو يطالب بإعادة تفعيل مطار رياق، باستثناء عضو تكتل الجمهورية القوية، النائب جورج عقيص، الذي لم يطرح هذا الملف من اللحظة الراهنة فحسب، إنّما شكّل منذ دخوله الندوة البرلمانيّة أحد أبرز محاور اهتمامه ومشاريعه الإنمائيّة، حيث كان من الداعين الدائمين إلى بحث إمكان إعادة تشغيل المطار. 

 

لذا،اجرى "كافيين دوت برس" حديثًا مع عقيص، عقب افتتاح مطار القليعات، لوضع الرأي العام في صورة المستجدات المتعلقة بملف إعادة تفعيل مطار رياق وآخر التطورات المرتبطة به. 

وقد هنّأ عقيص، أهالي الشمال على هذا الإنجاز، معتبرًا أنّ قرار المضيّ بمشروع مطار القليعات لم يسبقه أي نقاش جدي أو دراسة مقارنة تحدّد أيّ المطارات أكثر جدوى، سواء القليعات أو رياق أو حامات، وأنّ الحكومات المتعاقبة، وكما جرت العادة، تأثرت بالضغوط السياسيّة والمناطقيّة عند اتخاذ هذا القرار. 

ونوّه بجهود نواب عكار الذين قاموا بواجبهم في الدفاع عن منطقتهم وحقوقها، مؤكدًا في الوقت نفسه أنّ محافظة عكار تُعدّ من أكثر المناطق حرمانًا في لبنان، غير أنّ ذلك لا يلغي حقيقة أنّ قضاء زحلة لا يقلّ حرمانًا عن سواه من الأقضية اللبنانية، وسط غياب مشاريع استثمارية وإنمائية توازي احتياجاته وحجم مساهمته الاقتصاديّة. 

ورأى أنّ افتتاح مطار القليعات خطوة مباركة، لكن الوقت حان اليوم لفتح ملف مطار رياق، وفي حال لم تكن الدولة تتجه نحو إنشاء مطار تجاري مماثل، فمن الضروري على الأقل إنشاء مرفأ جاف في المصنع أو رياق، لا سيما في ظل التحولات التي تشهدها المنطقة، واحتمال دخول لبنان وسوريا في مرحلة إعادة إعمار واسعة وانطلاقة استثمارية كبرى، الأمر الذي يجعل من زحلة والبقاع نقطة محورية في هذه المرحلة. 

وتساءل "ما هي خطط الدولة وبرامجها المستقبلية تجاه البقاع؟ وإذا كانت هناك وجهة نظر تعتبر أن لبنان لا يحتاج إلى ثلاثة مطارات، فلماذا لا يتم إنشاء خط سكك حديدية يربط بين مرفأ بيروت والمصنع، إلى جانب إقامة مرفأ جاف ومستودعات كبرى في مختلف القطاعات، بما يساهم في تنشيط الحركة الاقتصادية وإنعاش البقاع؟" 

وأكد أنّ الدولة تتغنى اليوم بإنجاز مطار القليعات وفق نظام الشراكة بين القطاعين العام والخاص، وهو نموذج لم يحمّل الخزينة أعباء إضافية، داعيًا إلى تعميم هذه التجربة على مشاريع أخرى في البقاع. كما ذكّر بأنه شارك شخصيًا في إعداد التعديلات المرتبطة بقانون الشراكة بين القطاعين العام والخاص بهدف تمكين الدولة من تنفيذ مشاريع مماثلة. 

ودعا عقيص الحكومة، ولا سيّما الوزراء المنتمين إلى القوات اللبنانية، إلى الالتفات إلى مشاريع زحلة والبقاع، كاشفًا أنّ غرفة التجارة في زحلة تقدمت باقتراح متكامل في شأن مطار رياق وصل إلى رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة، مشددًا بإلحاح على أنّه يجب منحه العناية والاهتمام اللازمين. 

وطرح حلًا يقضي بأنه في حال تعذّر اعتماد مطار رياق كمطار مدني، فمن الضروري الاستفادة من أرض المطار وأراضي وزارة الزراعة المجاورة، والتي تبلغ مساحتها نحو 600 ألف متر مربع، وتحويلها إلى مرفأ جاف يشكّل رافعة اقتصادية حقيقية للمنطقة. 

وشدّد على أنّ الأولوية لا تقتصر على ملف مطار رياق، إنّما تبدأ أيضًا من إصلاح جذري لطريق ضهر البيدر، رافضًا الحلول الترقيعيّة التي اعتمدتها الوزارات المتعاقبة على وزارة الأشغال حتى اليوم والتي اعتاد أبناء البقاع سماعها، مؤكدًا أنّ هذا الطريق يشكل شريانًا حيويًا يربط بيروت بالبقاع وسوريا، وأن المطلوب معالجة نهائية وجذرية للأزمة. 

وأضاف ما صدر حتّى الآن عن وزارة الأشغال لا يوحي بوجود حلول مستدامة بقدر ما يعكس استمرار النهج الترقيعي المعتاد. 

وختم عقيص حديثه بالقول إنّ قضاء زحلة يُعامل وكأنه منطقة ميسورة، بينما تشير الوقائع إلى أنّ نسبة كبيرة من سكانه باتت تحت خط الفقر، ناقلًا معاناة التجار والمزارعين والصناعيين في المنطقة، ومناشدًا الدولة إنصافهم، ومشدًدا على أن أبناء قضاء زحلة والجوار من أكثر اللبنانيين مساهمة في دفع الضرائب وتحمل الأعباء العامة، لكنهم في المقابل من الأقل استفادة من مشاريع الدولة وخدماتها. 

المرتضى: المطار يرفع الحرمان 

في المقابل، لاقى ملف الإسراع في تفعيل مطار رياق تقاطعًا سياسيًا لافتًا بين حركة "أمل" و"القوات اللبنانيّة"، في مشهد يؤكد أنّ الخلافات السياسيّة تتراجع عندما يتعلق الأمر بإنماء المنطقة ورفع الحرمان عنها. وأكّد وزير الزراعة السابق عبّاس مرتضى لـموقعنا أنّ مطار رياق يُعد من المطارات التاريخية في المنطقة، إذ يعود تأسيسه إلى حقبة الحرب العالمية الأولى على يد الألمان والعثمانيين، وهو من أوائل المطارات التي أُنشئت في الشرق الأوسط. 

وأشار إلى أنّ افتتاح مطار القليعات يجب أن يشكل مناسبة لإعادة النظر في واقع البقاع، الذي يمثل نحو 43 في المئة من مساحة لبنان ويضم ما بين 22 و30 في المئة من سكانه، مشددًا على أنّ المنطقة لا تزال تعاني من إشكاليات كبيرة على مستوى النقل والبنى التحتية، وفي مقدمتها طريق ضهر البيدر. 

وأوضح مرتضى أنّ إعادة تشغيل مطار رياق يمكن أن تساهم في توفير فرص عمل لأبناء البقاع وتخفيف آثار الحرمان المزمن، كما يمكن أن تشكل مدخلًا لنهضة اقتصادية وسياحية واسعة، خصوصًا أنّ المنطقة تضم العديد من المعالم والمواقع السياحية التي تستقطب الزوار. 

وطالب الحكومة بالتعامل مع مطار رياق بالمنظار نفسه الذي اعتمدته مع مطار القليعات، لأنّه من غير المقبول أن يبقى البقاع خارج المعادلة الإنمائية، خصوصًا أن المطار موجود، وأراضيه متوافرة، كما أن بنيته التحتية الأساسية قائمة، مؤكدًا أنّ إعادة تشغيل المطار لا تحتاج إلى تكاليف ضخمة بقدر ما تحتاج إلى قرار جدي وإرادة سياسية واضحة لرفع الحرمان عن المنطقة. 

وردًا على ما يُثار حول وجود قاعدة عسكرية في مطار رياق، وما يُقال عن إنّ ذلك قد يُعيق عملية تشغيله كمطار مدني، أوضح مرتضى أنّ هذا الأمر لا يشكّل عائقًا أمام إمكانيّة تحويله إلى مطار مدني، مستشهدًا في هذا الإطار بمطار بيروت الذي يضم قاعدة جويّة عسكريّة إلى جانب نشاطه المدني، ومعتبرًا أنّ الجانبين يمكن أن يتكاملا دون تعارض. 

ولفت إلى أنّ البقاع يشكل البوابة الطبيعية نحو الدول العربية، وأن إعادة فتح خطوط التواصل والنقل مع المحيط العربي تمنح مطار رياق أهمية استراتيجية إضافية، لا سيما أنه يقع على مقربة من معبر المصنع، ما يجعله نقطة عبور مثالية للمسافرين والبضائع، منوهًا بأنّ أن المشروع لا يخدم فئة أو منطقة معينة، إنّما يخدم مختلف مناطق البقاع من البقاع الغربي إلى الهرمل، ويجسد حق أبناء المنطقة في أن يكونوا جزءًا من خارطة التنمية الوطنيّة. 

 وتطرّق إلى المعاناة اليوميّة التي يعيشها أبناء البقاع نتيجة البعد عن العاصمة، إذ تستغرق الرحلة إلى بيروت في فصل الشتاء أحيانًا ثلاث أو أربع ساعات، ما يزيد من الأعباء على المواطنين والمسافرين، ويؤكد الحاجة الملحة إلى تحسين طريق ضهر البيدر وإنجاز مشاريع بنى تحتية مستدامة. 

وانهى مرتضى حديثه بالتشديد على ضرورة تحقيق الإنماء المتوازن بين مختلف المناطق اللبنانية، مؤكدًا أنّ الفرص الممنوحة للبقاع لا تزال محدودة مقارنة بحجم المنطقة وأهميتها الوطنية والاقتصادية، وقال إنّ الدولة اعتادت النظر إلى أبناء البقاع على أنهم مطلوبون، فيما الحقيقة أن الدولة هي المطالبة اليوم بالحضور إلى البقاع وتأمين الخدمات والمشاريع التي يستحقها أبناؤه، بما يعيد الثقة ويؤسس لمرحلة جديدة من التنمية والإنصاف. 

 

 

اقرأ المزيد من كتابات كارين القسيس