عون أمام الاختبار الأميركي الأخير : ما بعد الزيارة لن يكون كما قبلها
عون وروبيو
ستة عشر عامًا من الغياب عن البيت الأبيض لم تكن مجرّد قطيعة عادية، بقدر ما عكست حجم التراجع الذي أصاب موقع لبنان في أولويات السياسة الأميركيّة. واليوم، عاد الملف اللبناني إلى واشنطن من خلال دعوة رئيس الجمهورية، جوزف عون، لزيارة واشنطن ولقاء الرئيس الأميركي دونالد ترامب. ومن هنا تأتي زيارة عون، في توقيت بالغ الحساسية، بعد أسبوعين من توقيع اتفاق الإطار. وتنظر مصادر أميركيّة إلى هذه الدعوة على أنّها تحمل رسالة مباشرة إلى الدولة اللبنانية، مفادها بأن وقت حسم الخيارات قد حان، فإما البقاء أسير نفوذ "حزب الله" وما يستتبعه من عزلة سياسية واقتصادية، وإمّا الانخراط في الشرق الأوسط الجديد شريكًا في منظومة إقليمية قيد التشكل.
مصادر أميركيّة، متابعة عن كثب تفاصيل الزيارة، أكّدت لـ"كافيين دوت برس"، أنّ قراءة هذا اللقاء لا ينبغي أن يقتصر على اللقاء المرتقب بين عون وترامب، إنّما يجب أن يُفهم في سياق الحراك الديبلوماسي الأميركي الأوسع، ولا سيما تزامنه مع التحرّكات الأميركية في بغداد ودمشق. كذلك اعتبرت المصادر نفسها أن تزامن زيارة رئيس الوزراء العراقي عالي فالح الزيدي، قبل أيام قليلة إلى واشنطن مع زيارة عون إلى البيت الأبيض يعكس توجهًا استراتيجيًا داخل الإدارة الأميركيّة يقوم على تعزيز مؤسسات الدولة في كل من لبنان والعراق وسوريا، سياسيًا واقتصاديًا، بهدف تقليص النفوذ الإيرانيّ في هذا الجزء من الشرق الأوسط، ليس على المستوى العسكريّ فحسب، بل أيضًا عبر الحدّ من تأثير طهران في القرار السياديّ ومؤسسات الدولة، بما يفضي إلى تضييق هامش حركتها على جبهات تشكّل ركيزة أساسية لنفوذها الإقليمي.
ولفتت إلى أنّ الإدارة الأميركية تتعامل مع المرحلة الحالية باعتبارها فرصة لإعادة رسم معادلات النفوذ في المنطقة، انطلاقًا من دعم الدول الوطنية ومؤسساتها، وهو ما يتقاطع مع خلاصات العديد من مراكز الدراسات الأميركيّة، التي ترى أن تعزيز مؤسسات الدولة يبقى المدخل الأكثر فعالية لضرب النفوذ الإيراني وترسيخ الاستقرار في الشرق الأوسط.
وفي هذا الإطار، اكتسبت بداية الزيارة بلقاء وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو أهمية خاصة، إذ شدّدت المصادر على أنه يتولى في صورة مباشرة إدارة الملف اللبناني داخل الإدارة الأميركية. ويعدّ من أبرز المسؤولين الذين يدفعون في اتجاه الفصل بين مسار التفاوض الأميركي – الإيراني والمسار اللبناني – الإسرائيلي، انطلاقًا من قناعة بأنّ مستقبل لبنان يجب ألا يبقى رهينة أي تفاوض إقليمي أوسع، وإنما يعالج ضمن مقاربة مستقلة تستند إلى مصالح مشتركة بين لبنان الرسمي وواشنطن.
أمّا اللقاء المرتقب اليوم بين الرئيسين عون وترامب، فلا تزال تفاصيله محاطة بالكثير من التكتم، إلاّ أنّ المصادر ألمحت إلى أنّ الرئيس اللبناني سيحمل معه ملفين أساسيين، أولهما استكمال الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية، وثانيهما استعادة الدولة اللبنانية سلطتها الكاملة على أراضيها. غير أنّ المصادر اعتبرت أن واشنطن تنظر إلى هذه العناوين باعتبارها بداية الطريق، لا نهايته، بحيث أنّ إعلان النيّات وحده لن يكون كافيًا، إنّما المطلوب خطوات عملية تثبت قدرة الدولة اللبنانية على ترجمة التزاماتها، وفي مقدمتها تكريس احتكارها للسلاح والقرار الأمني.
وأوضحت أنّ الملف اللبناني يحظى باهتمام خاص لدى الرئيس ترامب، ويعدّ من أبرز ملفات الشرق الأوسط خلال المرحلة الراهنة، في ضوء الرغبة الأميركية بإنجاح اتفاق الإطار الذي تمّ التوصل إليه الشهر الماضي، والذي تنظر إليه الإدارة الأميركية بوصفه خريطة طريق لمرحلة ما بعد زيارة عون إلى واشنطن، إذ يقوم هذا التصور على مبدأ "خطوة مقابل خطوة"، بحيث يقابل كلّ تقدم تحققه الدولة اللبنانية في بسط سلطتها وتعزيز سيادتها خطوات إسرائيلية مقابلة.
وتعاملت المصادر مع أي زيارة لرئيس دولة إلى البيت الأبيض على أنّها تحمل مطالب بلاده وسعيه إلى الحصول على دعم أميركي، إلاّ أنّها أكّدت في الوقت نفسه أنّ السياسة الأميركية تقوم، في جوهرها، على مبدأ تبادل المصالح. فواشنطن، بحسب المصادر، لا تنظر إلى علاقاتها الخارجية من منطلق تقديم مساعدات مجانيّة، بل من زاوية تحقيق مصالحها الاستراتيجية. وفي الحالة اللبنانية تحديدًا، تقاطعت المصلحة الأميركية مع تطلعات شريحة واسعة من اللبنانيين، والمتمثلة في استعادة الدولة كامل سيادتها، وبسط سلطتها على جميع أراضيها، وإنهاء مظاهر ازدواجية القرار الأمني والعسكري، بما يتيح للبنان الانخراط في الترتيبات الإقليمية الجديدة التي يعمل البيت الأبيض على ترسيخها في الشرق الأوسط.
وأضافت أنّ المتغيّرات التي شهدتها كل من سوريا والعراق خلال الأشهر الأخيرة، وما رافقها من تحوّلات سياسية وأمنية، دفعت الإدارة الأميركية إلى تكثيف دعمها لمؤسسات الدولتين، وفقًا لقناعة بأنّ استقرار المنطقة يبدأ من قيام دول قوية قادرة على فرض سلطتها. ولهذا السبب، ينتظر الرئيس ترامب أن يستمع من نظيره اللبناني إلى رؤية واضحة وخطة تنفيذية تتجاوز العناوين العامة، بل أكثر تفصيلًا ممّا استمع إليه خلال استقباله الزيدي قبل أيام.
وكشفت أنّ روبيو تمنى على عون أن يتحلى بالجرأة السياسيّة، وأن تكون زيارته إلى واشنطن مثمرة وتؤسس لمرحلة جديدة للبنان، مؤكدة أن الإدارة الأميركية تنظر إلى هذه الزيارة باعتبارها محطة مفصليّة، وأنّ ما بعدها لن يكون كما قبلها.
وختمت المصادر الأميركيّة بالاشارة إلى أنّ لقاء ترامب وعون من شأنه أن يوضح في صورة أكبر اتجاه التطورات السياسية والأمنية في لبنان خلال المرحلة المقبلة، مشددةً بإلحاح على أنّ الزيارة لن تكون اختبارًا لقدرة الرئيس اللبناني على انتزاع الانسحاب الإسرائيلي من الرئيس ترامب، إنّما ستكشف ما الذي سيطلبه البيت الأبيض من الدولة اللبنانية، وما إذا كانت بيروت مستعدة لاتخاذ القرارات التي تراها واشنطن ضرورية لترسيخ سيادة الدولة وفتح صفحة جديدة في علاقاتها مع المجتمع الدوليّ.