كربلاء تُعاد في الحرب ولكن بلا مراسم في مراكز التهجير • فوعاني: عاشوراء عهدٌ لا ينكسر

كربلاء تُعاد في الحرب ولكن بلا مراسم في مراكز التهجير •  فوعاني: عاشوراء عهدٌ لا ينكسر

مسيرة عاشوراء في بعلبك ( عن قناة المنار)

 أيّام قليلة تفصل أبناء الطائفة الشيعيّة عن ذكرى عاشوراء، لكنّها تأتي هذا العام محمّلةً بأثقال الحرب والنزوح والاقتلاع، في مشهد يكاد يكون الأقرب إلى وجدان هذه المناسبة ومعانيها. فبينما يستعدّون لإحياء ذكرى الإمام الحسين يجد كثيرون أنفسهم بعيدين عن قراهم وبلداتهم وبيوتهم التي هجّرتهم عنها الاعتداءات والحرب، ليعيشوا واقعًا يختلط فيه ألم الحاضر بذاكرة المظلومية المتجذّرة في الوعي العاشورائي. ولعلّها من المرّات النادرة التي تحلّ فيها عاشوراء فيما آلاف العائلات موزّعة بين مناطق النزوح، وقرى بأكملها تكاد تخلو من أهلها، وساحات اعتادت أن تضجّ بالمجالس والمواكب باتت تنتظر عودة أبنائها إليها. 

 

في هذا المناخ المثقل بالخسائر والقلق والترقّب، تكتسب عاشوراء هذا العام بُعدًا مختلفًا واستثنائيًا. فهي لا تُستحضر فقط كذكرى دينية وتاريخية، إنّما كحالة وجدانيّة تقاطعت مع معاناة يوميّة يعيشها أبناء الطائفة بكل تفاصيلها. وبين حنين العودة إلى الأرض، والإصرار على التمسّك بالهوية والانتماء، برز سؤال أساسي: كيف سيحيي أبناء الطائفة الشيعية عاشوراء هذا العام؟ وهل ستنجح هذه الذكرى في الحفاظ على حضورها ورسالتها رغم ظروف التهجير والنزوح التي فرضت واقعًا غير مسبوق على بيئة لطالما شكّلت القلب النابض للمشهد العاشورائي في لبنان؟ 

رئيس الهيئة التنفيذيّة لـحركة "أمل"، مصطفى فوعاني كشف لـ"كافيين دوت برس"، أنّ "أمل" تستعد لإحياء مناسبة عاشوراء لهذا العام تحت شعار "عاشوراء... عهد لا ينكسر "، انطلاقًا من الرؤية التي أرساها الإمام القائد السيد موسى الصدر، والتي تعتبر أنّ عاشوراء ليست مجرد مناسبة دينية أو حدث تاريخي يُستعاد في الذاكرة، بل هي مدرسة متجددة للقيم الإنسانية والإيمانية والوطنية، تمتد مع الإنسان حيثما كان، وتدعوه إلى الارتقاء بالوعي والمسؤولية والانفتاح على قضايا الناس وهمومهم وحقوقهم." 

 

وأكّد فوعاني "أنّ الحركة عقدت سلسلة من اللقاءات والاجتماعات الداخليّة على مستوى المناطق والتنسيق مع الإخوة في "حزب الله" ومع لجان الإحياء المستقلة على مساحة الوطن، جرى خلالها البحث في مختلف الجوانب التنظيميّة والإداريّة والإعلاميّة المرتبطة بإحياء المناسبة، بما يضمن الحفاظ على قدسية الشعائر الحسينية ورسالتها الأصيلة، وبما ينسجم مع التحديات والظروف الاستثنائيّة التي يمر بها لبنان عمومًا والجنوب والضاحية والبقاع الغربي خصوصًا نتيجة العدوان وما خلفه من أضرار وتهجير ونزوح طال مئات الآلاف من أبناء القرى والبلدات  وفي مقدمها القرى الجنوبية من بنت جبيل الى مرجعيون والنبطية وقرى صور التي لطالما شكلت مع غيرها من المناطق الجنوبية مساحة أساسية لإقامة المجالس والمراسم العاشورائية الكبرى". 

وقال فوعاني "انطلاقًا من المسؤولية الوطنيّة والأخلاقيّة والإنسانيّة تجاه أهلنا النازحين، وبما ينسجم مع التوجيهات التنظيميّة والحركيّة، اتخذت الحركة جملة من التدابير والإجراءات التي تراعي الواقع القائم وتحفظ في الوقت نفسه استمرارية إحياء المناسبة ورسالتها. وفي هذا السياق، تقرر عدم إقامة المجالس العاشورائية المركزية داخل مراكز النزوح وأماكن إقامة العائلات المهجرة، حرصًا على أوضاع الناس وظروفهم المعيشية والنفسية، وتجنبًا لأي أعباء إضافية قد تفرضها التجمعات الكبيرة في هذه المرحلة الدقيقة". واضاف "سيتم اعتماد آليات بديلة أثبتت نجاحها خلال فترة جائحة كورونا، عبر توسيع نطاق البث المباشر للمجالس والمحاضرات والبرامج العاشورائية من خلال وسائل التواصل الاجتماعي والمنصات الرقمية المختلفة، إلى جانب تخصيص برامج ومواد دينية وثقافية وتوعوية عبر محطة NBN وإذاعة الرسالة، بما يتيح لأبناء الجنوب والضاحية  ولجميع المؤمنين متابعة المجالس وإحياء هذه المناسبة المباركة أينما وجدوا، وبما يحفظ التواصل الروحي والثقافي مع رسالة الإمام الحسين بعيداً عن أي تعقيدات تفرضها الظروف الراهنة". 

وأشار فوعاني إلى أنّ حركة "أمل" ترى أنّ أهمية عاشوراء لا تختصر في المشهدية الجماهيرية أو في المظاهر الخارجية مهما بلغت رمزيتها وأهميتها، بل إنّ جوهر هذه المناسبة يتجاوز المشهد التقليدي للمواكب والمجالس ليصل إلى عمق الرسالة الإنسانية التي حملها الإمام الحسين في ثورته ونهضته...فعاشوراء هي موقف دائم إلى جانب الحق، وهي دعوة مستمرة إلى الإصلاح والعدل وصون كرامة الإنسان ومواجهة الظلم والانحراف، وهي مناسبة لتجديد العلاقة بالقيم التي تحفظ المجتمع وتحصن الوطن وتعزز وحدة أبنائه وعاشوراء مدرسة تعزز الانتماء الاخلاقي والانساني والاجتماعي. 

ولفت إلى أنّ إحياء عاشوراء هذا العام يجب أن يكون مناسبة لترجمة هذه القيم إلى ممارسات عملية، عبر تعزيز ثقافة التضامن والتكافل الاجتماعي، ومد يد العون إلى النازحين والمتضررين وأصحاب الحاجات، والوقوف إلى جانب العائلات التي تعاني من آثار الحرب والتهجير، باعتبار أن خدمة الناس والاهتمام بشؤونهم تشكلان من أصدق صور الوفاء للإمام الحسين وتجسدان عملياً ما دعا إليه الإمام موسى الصدر من جعل الإنسان محور الرسالة وقيمته العليا...وعاشواء أيضا مدرسة في الشكر والتقدير لكل البيئات التي استضافت اخوانهم في الوطن ضيوفا اعزاء لا مجرد نازحين. 

وشدّد على ضرورة أن تبقى المجالس الحسينية منابر للوعي والإصلاح والأخلاق، وأن يلتزم الخطباء والرواديد والجمهور بالخطاب المسؤول الذي يجمع ولا يفرق، ويعزز الوحدة الوطنية والسلم الأهلي والعيش المشترك، بعيدًا عن أي خطاب تحريضي أو استفزازي أو طائفي أو سياسي او محاولة نبش الاحقاد التاريخية من شأنه الإساءة إلى أهداف المناسبة ورسالتها السامية. فلبنان، كما يؤكد الرئيس نبيه بري، أحوج ما يكون اليوم إلى الكلمة التي تجمع وإلى الموقف الذي يحمي الاستقرار ويصون وحدة المجتمع ويحصنه من الفتن والانقسامات. 

وأوضح فوعاني أنّ "عاشوراء هذا العام، وفي ظل ما يمر به الوطن والمنطقة من تحديات، تشكل فرصة متجددة لتأكيد التمسك بالعهد الذي لا ينكسر مع الإمام الحسين عهد الحق والعدالة والإصلاح والكرامة الإنسانية، كما تشكل مناسبة لتجديد الالتزام بالوحدة الوطنية والسلم الأهلي وخدمة الإنسان، وترسيخ قيم الرحمة والتكافل والتضامن التي تشكل جوهر الرسالة الحسينية وفكر الإمام موسى الصدر ومسيرة حركة أمل". 

وختم فوعاني حديثه بالقول " تتطلع حركة أمل" إلى أن تكون عاشوراء هذا العام محطة إيمانيّة ووطنيّة وإنسانية جامعة، تؤكد أنّ قوة هذه المناسبة لا تكمن فقط في حضورها الشعبي الواسع، إنّما في قدرتها الدائمة على إنتاج الوعي والأخلاق والمسؤولية، وعلى تحويل قيم الإمام الحسين إلى سلوك يومي في خدمة الإنسان والمجتمع والوطن، ليبقى شعار " عاشوراء... عهد لا ينكسر " التزاماً عملياً متجدداً بالحق والإنسان ولبنان. 

اقرأ المزيد من كتابات كارين القسيس