كواليس تعليق جلسة اليوم الثاني من مباحثات "روما 2": ما الذي جرى خلف الأبواب المغلقة؟
منذ انطلاق المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل، حافظت جلسات المباحثات، على الرغم من كل ما شهدته من تجاذبات حادّة وتباينات عميقة، على حدّ أدنى من الالتزام بمواعيدها. فلم تُلغ أي جلسة، ولم يُعلَّق أي اجتماع قبل انعقاده، حتى جاءت "روما 2" في يومها الثاني لتكسر هذه القاعدة للمرّة الأولى، بعدما تقرر تعليق اللقاء قبل ثلاث ساعات فقط من موعده. تطوّر لا يمكن اختزاله في عثرة تنظيميّة، إنّما يحمل في طيّاته مؤشرات واضحة إلى تصاعد الخلافات واتساع فجوة التباعد بين الوفود، بما يعكس أزمة تفاوضيّة حقيقيّة تتكشف فصولها بعيداً عن الأضواء، فيما باتت المفاوضات تقف أمام اختبار هو الأصعب منذ انطلاقها.
وللوقوف على ملابسات ما جرى خلال جلسة أمس، كشفت مصادر أميركيّة لـ"كافيين دوت برس" أنّ رئيس الوفد الإسرائيلي، يحيئيل ليتر، سفير إسرائيل لدى الولايات المتحدة، هو من بادر إلى طلب تعليق المحادثات، خلال تواصله مع الوفد الأميركي، متهمًا الجانب اللبناني بتكرار ما وصفه بـ"التسريبات المضللة". ووفقًا للمصادر، اعتبر ليتر أنّ هذه التسريبات ألحقت ضررًا بأجواء التفاوض، وأضعفت منسوب الثقة الضروري لاستمرار المباحثات، الأمر الذي دفعه إلى المطالبة بتعليق الجلسة إلى حين تهيئة ظروف أكثر ملاءمة لاستكمال الحوار.
وأشارت إلى أنّ ما جرى داخل قاعة التفاوض كشف واقعًا مختلفًا تمامًا، إذ اصطدمت المطالب اللبنانيّة برفض إسرائيلي واضح، ولا سيّما في الملفات التي يعتبرها لبنان غير قابلة للمساومة، ففي مقدمة هذه الملفات، برز مطلب تثبيت وقف إطلاق النار وتجديده لمدّة ستين يومًأ، مع تحديد موعد واضح لإعلان دخوله حيّز التنفيذ، في ظل ما يعتبره لبنان استمرارًا للانتهاكات الإسرائيلية المتكررة في الجنوب، الأمر الذي يجعل أي اتفاق، من وجهة نظر الوفد اللبناني، فاقدًا لقيمته ما لم يقترن بضمانات عملية وآليات تنفيذ واضحة.
أمّا العقدة الأكثر تعقيدًا على طاولة المفاوضات، فتمثّلت، بحسب المصادر الأميركيّة، في ملف الأسرى والمفقودين، الذي فُتح للمرة الأولى خلال جلسة الأمس على أن يُستكمل اليوم، من دون أن تلوح في الأفق أي مؤشرات جدية توحي بإمكان تحقيق اختراق قريب، إذ إنّ الوفد اللبناني تمسّك بمطلب الإفراج عن الأسرى اللبنانيين لدى إسرائيل واستعادة جثامين الذين قُتلوا خلال السنوات الثلاث الماضية، باعتبار هذا الملف أولويّة لا تحتمل التأجيل في المقابل، طرحت إسرائيل ملف مفقودين يهود اختفوا في لبنان منذ عقود، بينهم رئيس الطائفة اليهودية السابق إسحق سوسان، والأمين العام للطائفة سليم جاموس، إلى جانب أسماء أخرى أدرجتها ضمن لوائحها، ما زاد من تعقيد المفاوضات ورفع منسوب التباعد بين الطرفين.
وفي ضوء هذه المعطيات، لا يبدو تعليق جلسة "روما 2" مجرّد إجراء تقني بقدر ما عكس حجم التعثر الذي يخيّم على مسار التفاوض، ويؤشر إلى اتساع فجوة الخلاف حول أبرز الملفات المطروحة. وبينما يواصل الوسطاء الأميركيون مساعيهم للحيلولة دون انهيار المباحثات، تتجه الأنظار إلى جلسة اليوم، التي قد تشكل نقطة تحول نحو إعادة إحياء مسار التفاوض إذا ما أُحرز تقدم في الملفات العالقة، أو قد تؤكد، في المقابل، عودة المفاوضات إلى نقطة الصفر، بما يحمله ذلك من تداعيات على مجمل المسار التفاوضي.