كلفة التفاوض المباشر بين لبنان واسرائيل
مبادرة مجلس الوزراء بعد كلام رئيس الجمهورية جوزف عون ورئيس الحكومة نواف سلام بضرورة التفاوض المباشر في ما يخصّ لبنان ووقف النار، كانت الرسالة الاخيرة تحت ثقل القصف والمعارك من بنت جبيل الى الهجمات واليوم الدامي في كل لبنان، بعد فشل النداءات المتكررة التي وجهها لبنان للتفاوض المباشر مع اسرائيل. لكن بقدر ما تصرفت واشنطن واسرائيل سابقًا على انهما غير معنيّتين باي تفاوض بين لبنان واسرائيل، جاء اعلان رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو ليقلب الطاولة.
من المفارقات التي عاشتها السلطة في الاشهر الاخيرة انها لم تقم بجردة حساب، ومراجعة لسياستها منذ ان بدأت تتلقى رسائل مباشرة بان الحرب الاسرائيلية آتية على لبنان. لكن كان ثمة اصرار لدى الرئاسة الاولى ان لا حرب في المدى المنظور، وان كل الامور تحت السيطرة، وان لبنان يقوم بما عليه من اجل تقديم اوراق اعتماده لدى الاميركيين من اجل التعامل معه كطرف موثوق.
كما ان لا مراجعة لغياب كل الموفدين الاميركيين الذين كانوا موكلين اجراء اتصالات مع الاسرائيليين، من اجل ايصال الرسائل حول الاجراءات التي يتخذها لبنان لحصر السلاح واخلاء منطقة جنوب الليطاني. ولم تتم مراجعة كل ما قيل في اجتماعات الميكانيزم وما دار حولها من اسئلة ولدى الدوائر الديبلوماسية المعنية في لبنان عن حقيقة النظرة الى جنوب الليطاني والى اداء الجيش رغم كل ما رافقه زيارته الى واشنطن.
وكذلك الامر لا مراجعة لاداء الحكومة منذ ان تشكّلت وضمّت حزب الله، وصولا الى رؤية واشنطن واسرائيل لهذا الاداء الذي اظهر هشاشته في التعامل مع الاستحقاقات الاساسية.
مشكلة السلطة انها تعاملت مع واشنطن واسرائيل بالطريقة التي رأتها هي مناسبة، لا بحسب جدول اعمال الطرفين الآخرين، الامر الذي جعل من التوقيت الذي اختار فيه لبنان عرض التفاوض المباشر توقيتًا غير ملائم. وفي السياسة التوقيت له من الاهمية الكثير لان على اساسه يُبنى مصير اتفاقات وتسويات.
حين قرر لبنان التفاوض المباشر، كانت اسرائيل وواشنطن قد اصبحتا في الخانة التي تستعدان فيها للحرب مع ايران وحزب الله. لا تخوض الولايات المتحدة الحرب مباشرة مع حزب الله كما يحصل مع ايران، لكنها تغطي عملية اسرائيل فيه، مهما بلغ حجم الاعتداءات الاسرائيلية كما حصل اول من امس. وهي واذا كانت منصرفة الى التفاوض مع ايران مع كل ما يجري حول هذا الملف من توّتر دولي على مستويات سياسية وعسكرية واقتصادية، فأنها غضّت النظر عن لبنان، وأوكلت مهمته الى اسرائيل. ومهمة اسرائيل لم تكن التفاوض في التوقيت اللبناني، بل مزيد من التدمير ومن الهجمات غير المسبوقة، قبل ان يحين موعد التفاوض بتوقيتها.
هل حان وقت التفاوض اسرائيليًّا؟
جاء اعلان نتنياهو في عزّ معركة بنت جبيل وتقدم جيشه فيها، ووقت عزل الجنوب عن باقي لبنان، وبعد اقل من يوم على الهجمات المكثّفة التي شنّها الجيش الاسرائيلي على لبنان. والتفاوض تحت النار هو غيره وسط هدوء الجبهات. ما يعني انه يذهب الى التفاوض بشروطه وتوقيته. وكما فصل لبنان عن ايران في التفاوض الذي ترعاه باكستان يذهب الى التفاوض مع لبنان من دون اضافات. ليرمي الكرة في الملعب اللبناني. فالحكومة مجتمعة في حضور وزراء امل وحزب الله كررت الدعوة الى التفاوض مع اسرائيل، والاخيرة وافقت عليه، فماذا سيكون عليه موقف حزب الله من تفاوض مباشر وما هي كلفته. فاسرائيل حددت على لسان نتنياهو برنامج التفاوض نزع سلاح حزب الله وعلاقات سليمة بين البلدين. لكن لبنان يشترط اولًا وقف النار ، على مثال ما حصل في طهران، واسرائيل ترفض مقارنة النموذجين اللبناني والايراني. لان ما حققته في الجنوب في قاموسها، لن تتخلى عنه من اجل جولة مفاوضات لا يعرف مصيرها وخاتمتها.
اما لبنانيًّا، فسيكون من المبكر قراءة تداعيات هذا التطور داخليًّا، اذا لم يتحقق وقف النار وكيف سيكون عليه الوضع على مستويات مدنية وعسكرية وسياسية في التعامل مع حدث يحصل لاول مرة منذ الثمانينات.