خصوم "حزب الله" قلقون من استعادة 2005

خصوم "حزب الله" قلقون من  استعادة 2005

لم يعد من الممكن، وفق ما ترى قوى حزبيّة وسياسيّة معارضة لـ "حزب الله"، مقاربة ما يجري في لبنان بوصفه مجرّد تباين سياسي عابر، بقدر ما بات أقرب إلى صراع مكشوف بين "منطق الدولة ومنطق الارتهان". فمنذ اندلاع ما عُرف بـ"حرب الإسناد" عام 2024، أخذت المؤشرات، بحسب هذا الفريق، تتراكم على نحو ينذر بانزلاق خطير، في وقت يتهمّ فيه "حزب الله" بالإصرار على المضيّ في خياره التصعيدي، غير مكترث، من وجهة نظره، بتحذيرات الداخل ولا بحجم الكلفة التي قد تترتّب على وطن يرزح أساسًا تحت وطأة انهيار شامل.
 
 ومنذ تلك اللحظة المفصليّة، دأبت هذه القوى على التحذير من المسار الذي ينتهجه الحزب، معتبرةً أنّ ما يجري يتجاوز كونه دعمًا ظرفيًا أو تكتيكيًا لإيران، ليشكّل اندفاعًا مدروسًا قد يجرّ لبنان إلى سيناريو كارثي، على غرار ما شهدته غزّة من دمار واسع وانهيار إنساني. وعلى الرغم من وضوح هذه التحذيرات، واصل "الحزب" نهجه التصعيدي، ما يثير تساؤلات جدية حول خلفيات هذا الإصرار، أو ما يُنظر إليه كنوع من العناد السياسي والعسكري.
 
 بحسب هذا الفريق، تكمن جوهر المشكلة في أنّ القرار الصادر عن حارة حريك لا يستند إلى المصلحة اللبنانيّة العليا، إنّما يُتخذ ضمن سياق حسابات إقليميّة أوسع، حيثُ يُنظر إلى "الحزب" كجزء من منظومة تقودها إيران لا كفاعل وطني مستقل، وبالتالي تستند هذه المقاربة إلى جملة مؤشرات يعتبرها خصومه دامغة، من بينها ما رافق اغتيال أمينه العام السابق السيد حسن نصرالله، إذ تشير إلى غياب أي ردّ عسكري يُذكر من الأراضي اللبنانيّة، وترى في هذا الصمت دلالة على خضوع القرار لضوابط إقليميّة تتجاوز قرار "الحزب" نفسه.
 
 ومع تصاعد التوترات في  12آذار واعادة فتح الجبهة من الجنوب اللبناني، عاد شبح الحرب الأهليّة إلى الواجهة، ليس فقط كهاجس شعبي، بل كطرح سياسي متداول على الألسنة كافةً. وتذهب القوى المعارضة إلى حدّ اعتبار هذا الخطاب جزءًا من أدوات الضغط، مفاده إمّا القبول بشروط التي يمليها "الحزب" على الدولة، أو الانزلاق نحو الفوضى، ويُستعاد في هذا السياق مشهد السابع من أيار 2008، حين استُخدم السلاح في الداخل لفرض معادلات سياسيّة.
 
 غير أنّ المعطيات الراهنة، وفق هذه القراءة، تختلف جذريًا عمّا كانت عليه في السابق. فالتوزّع الديموغرافي للنزوح، وتمدّده إلى مناطق ذات غالبيّة سُنيّة ومسيحيّة، يجعل أي احتكاك أمني مرشحًا للتحوّل سريعًا إلى فتنة واسعة، في ظل غياب خطوط تماس واضحة كما في الحروب الماضية. وهذا ما يرفع منسوب القلق إلى مستويات غير مسبوقة، ويجعل المرحلة الحالية، في نظر هذه القوى، أشد خطورة من مرحلة 2005 التي شهدت سلسلة اغتيالات سياسيّة. 
 
 وفي هذا الإطار، يُستحضر اتفاق الدوحة لعام 2008، اذ تشير هذه القوى إلى أنّ من بين نتائجه غير المعلنة وقف مسلسل الاغتيالات، وهو ما اعتبرته إقرارًا ضمنيًا من الحزب حينها. أمّا اليوم، فالمشهد أكثر تعقيدًا، إذ لم يعد مقتصرًا على طرف واحد، بل بات مرتبطًا بمحور إقليمي يعيش حالة من الضغط والتفكك، ما يزيد من احتمالات اللجوء إلى خيارات تصعيديّة من نوع "عليّ وعلى أعدائي" كوسيلة للهروب إلى الأمام.
 
 وتذهب إلى حدّ القول إنّ "الحزب" قد يكون مستعدًا لتحميل بيئته الحاضنة أثمانًا باهظة، تصل إلى حدّ التهجير إلى خارج لبنان وليس فقط نزوح من بلدة إلى أخرى، انطلاقًا من عقيدة أيديولوجيّة ترى في "الاستشهاد" بديلًا عن الهزيمة، وتسعى إلى ترجيح كفّة انتصار "الدمّ على السيف".
 
 

 في موازاة ذلك، تتناول هذه القوى موقع الدولة ورموزها، مؤكدةً أنّ التوازنات الداخليّة باتت مختلّة. فهي ترى أنّ رئيس الجمهوريّة، جوزف عون، يميل إلى مقاربة تراعي "حزب الله"، انطلاقًا من رهانات على إمكانيّة إعادة ترميم قوّته. في المقابل، يُصوّر رئيس مجلس النواب، نبيه برّي، على أنّه مقيّد بهوامش ضيقة، بحكم التوازنات داخل البيئة الشيعيّة، حيثُ يصعب عليه اتخاذ موقف معاكس ولا يستطيع الخروج عن الخط العام، خصوصًا في ظل ما تصفه بوجود تهديدات سياسيّة ضمنيّة، كان آخرها اطلالة المدير العام  السابق للامن العام عبّاس ابراهيم، التي بدا فيها وكأنّها رسالة مقنعة من "الحزب"، والذي سبق أن عمل على دعم هذه الشخصيّة لتكون خلفاً لبرّي في رئاسة المجلس وقطع الطريق أمام أي شخصيّة أخرى من خلفيّة "حركة أمل"، ومدعومة من واشنطن. وبحكم التوازنات داخل هذه البيئة، تُقدّر المعارضة الشيعيّة بنحو 15% فقط، مقابل أغلبيّة تعتبر أنّ ما يجري هو حرب وجوديّة تستهدف الطائفة لا "حزب الله"، ما يجعل أي موقف معارض محفوفًا بمخاطر سياسيّة وشعبيّة كبيرة. 
 
 أمّا على مستوى الأداء الحكومي، فتُطرح تساؤلات حول استقلاليّة القرارات، كما في حالة وزير الخارجيّة، يوسف رجّي، حيثُ يُستبعد، وفق هذه القراءة، أن تكون قراراته منفصلة عن توجهات الرئاسات الأولى والثالثة. ويُفسّر غياب التوضيح الرسمي من القصر الجمهوري حيال بعض التسريبات الإعلاميّة حول امتعاض داخل القصر، لم يكن عفويًا، بل جاء بهدف وضع الوزير في مواجهة مباشرة مع "حزب الله"، وفي الوقت نفسه الإيحاء بأنّ "القوات اللبنانية" تسعى إلى تأجيج فتنة داخليّة قد تقود إلى حرب أهليّة. غير أنّ هذه القوى تؤكد أنّ مثل هذه الأساليب لم تعد تنطلي على الرأي العام، في ظل الانتشار الواسع لوسائل التواصل الاجتماعي، التي باتت تكشف الوقائع بسرعة قبل أن يتم "إخراجها" سياسيًا. مع التذكير بأنّ رجّي اتخذ قراره انطلاقًا من خرق السفير الإيراني، محمد رضا شيباني، للحدود الدستوريّة والسياديّة اللبنانيّة، فالأخير لم يقدّم بعد أوراق اعتماده لا إلى وزير الخارجيّة ولا إلى رئيس الجمهوريّة، لذلك استند رجّي في قراره إلى نصّ المادّة 9 من اتفاقيّة "فيينا" للعلاقات الدبلوماسيّة، التي تمنح الدولة المضيفة الحق في طلب مغادرة أي دبلوماسي حتّى دون تقديم أي مبرّر، وبالتالي، فإنّ أي وجود للسفير الإيراني في لبنان بعد 29 آذار، أي بعد انقضاء المهلة التي منحها رجّي لمغادرة الأراضي اللبنانية، سيعتبره القانون شخصًا عاديًا، تُسحب منه الإقامة، وتُسقط عنه الصفة الدبلوماسيّة، ويفقد كل الحصانات المقررة، ليصبح وجوده في لبنان غير شرعي على الإطلاق.
 
 وفي حال رفضت إيران الامتثال لهذا القرار، سيجتمع مجلس الوزراء فورًا برئاسة القاضي نوّاف سلام لاتخاذ موقف صارم وحازم، إذ يُعدّ عدم الامتثال انتهاكًا صريحًا للسيادة الوطنية اللبنانية. وقد تشمل الإجراءات المتخذة قطع العلاقات الديبلوماسيّة مع إيران أو حتّى إغلاق سفارتها في بيروت، بما يضمن صون سيادة الدولة واستقلال قرارها، إلاّ إذا قرّر الرئيس عون قبول أوراق اعتماده، حينها يسقط أثر قرار رجّي.

 


 
 

اقرأ المزيد من كتابات كارين القسيس