"بيروت منزوعة السلاح": يصطدم بواقع التنفيذ حاصباني الثقة بالاجهزة الامنية قائمة
ريفي
لم يكن صباح بيروت، يوم الخميس في التاسع من نيسان، صباحًا اعتياديًا، ولا يومًا يشبه ما سبقه، حتّى في مدينة اعتادت أن تختبر الألم وتُجيد احتماله. فقد استيقظ اللبنانيون على وقع كارثة قاسية، إذ انهالت الغارات على قلب منازلهم، على بيروت نفسها، المدينة التي يُفترض أن تكون ملاذ الدولة، ومرآة سيادتها، وتجسيد هيبتها.
في مشهد يختزل حجم الكارثة، شنّ الجيش الإسرائيلي ضربات متزامنة طالت أحياءً متعددة داخل العاصمة، مخلّفًا وراءه دمارًا يفوق الوصف. أبنية سكنية سُوّيت بالأرض فوق رؤوس قاطنيها، وشوارع غمرها الركام، وألعاب أطفال تناثرت على الأرصفة كأنها الشاهد الصامت على حياة انقطعت بغتةً. أمّا الدماء التي امتزجت بالغبار، فقد رسمت لوحةً مأساوية تختصر عمق المأساة. وفي الزوايا، تعالت صرخات الأمهات، واندفع الآباء بين المستشفيات، فيما وقف الأهالي على حافة الانتظار، مترقبين خبرًاعن مفقودين لا يُدرى إن كانوا لا يزالون أحياء تحت الأنقاض أم باتوا أرقامًا تُضاف إلى سجل الضحايا.
ورغم أنّ هذه المشاهد ليست غريبة عن ذاكرة اللبنانيين، إلّا أنّها هذه المرة جاءت أشد قسوة ووطأة. فالسؤال لم يعد مقتصرًاعلى "ماذا حدث؟"، بقدر ما تعدّاه إلى "كيف حدث؟" و"من المستهدف؟" و”أين الدولة؟".
في خضم هذه الفاجعة، بدا التحرّك الرسمي سريعًا من حيثُ الشكل، مع انعقاد جلسة طارئة لمجلس الوزراء تحت عنوان "بيروت منزوعة السلاح". عنوان بدا حاسمًا للوهلة الأولى، غير أنّه سرعان ما تحوّل إلى محور جدل وانقسام داخل الجلسة نفسها، حيثُ سجّل وزراء "حزب الله" أي كل من وزير الصحة الدكتور ركان ناصر الدين ووزير العمل محمد حيدراعتراضهما، في مقابل غياب أي موقف مماثل من وزراء حركة أمل الذين تابعوا الجلسة دون اعتراض. وقد عكس هذا التباين مؤشرات واضحة على تصدّع سياسي، واختلاف في قراءة المرحلة، وربما في تقدير موازين القوى التي تتحكم بمسار البلاد.
في الواقع، لا يُعدّ طرح حصريّة السلاح بيد الدولة أمرًا مستجدًا في الخطاب الحكومي، إذ يتبناه رئيس الحكومة منذ توليه مهامه، مشددًا باستمرار على ضرورة تكريس هذا المبدأ ضمن إطار المؤسسات الشرعيّة. إلاّ أنّ هذا الطرح، على الرغم من وجاهته النظرية، يثير تساؤلات جوهرية تتصل بآليات تنفيذه، وبمستوى الثقة الداخليّة والخارجيّة بقدرة الدولة على ترجمته إلى واقع ملموس.
وتتعمق هذه التساؤلات في ظلّ الظرف الراهن: كيف سيتم نزع السلاح؟ وهل يمتلك الجيش اللبناني القدرة أو حتّى الضوء الأخضر للدخول إلى جميع مناطق بيروت؟ وهل ثمة قرار وطني جامع يواكب خطوة بهذا الحجم، أم أنّ الأمر سيبقى في إطار الشعارات غير القابلة للتطبيق؟ لا سيّما أنّ التجارب السابقة لا تدعو إلى الاطمئنان، حيثُ أُعلنت قرارات مماثلة من قبل، لكنّها بقيت حبرًا على ورق، فيما جاءت الوقائع الميدانيّة مناقضة لها، ما أسهم في تآكل الثقة داخليًا وأمام المجتمع الدولي على حد سواء.
حاصباني: الثقة بالأجهزة الأمنيّة لاتزال قائمة
في هذا الإطار، يرى عضو تكتل "الجمهورية القويّة"، النائب غسان حاصباني، في حديث لـ"كافيين دوت برس" أنّ مفهوم "بيروت منزوعة السلاح" ينبغي أن يشمل مختلف أنواع الأسلحة، مع التأكيد على ضرورة إزالة كل المظاهر المسلحة التي تهدد أمن العاصمة، مشددًاعلى إمكانيّة تحقيق ذلك عبر آليات واضحة، تقوم على تنسيق كامل بين الأجهزة الأمنيّة لتنفيذ قرارات الحكومة بفعاليّة.
كما يلفت إلى أنّ حصر السلاح لا يجب أن يقتصر على بيروت فحسب، بل ينبغي أن يمتد إلى كامل الأراضي اللبنانية، انسجامًا مع قرارات مجلس الوزراء، معتبرًا أنّ تطبيق هذا المبدأ في العاصمة قد يكون أكثر قابلية للتنفيذ، وأنّ الثقة بالأجهزة الرسميّة لا تزال قائمة لتحقيق هذا الهدف.
مخزومي: تحركات واتصالات مكثفة
على خط مواز، تُشير مصادر مقرّبة من النائب فؤاد مخزومي إلى أنّ الطرح الذي قدّمه سلام لا يُعد جديدًا، إنّما يأتي ضمن سياق مواقف سبق أن دعا إليها مخزومي منذ أشهر، لا سيّما لجهة ضرورة حصريّة السلاح بيد الدولة، مؤكدةً أنه يواصل تحركاته واتصالاته في هذا الاتجاه، انطلاقًا من قناعة راسخة بأنّ بسط سلطة الدولة على كامل الأراضي اللبنانيّة يشكّل المدخل الأساس لتحقيق الاستقرارين السياسي والأمني.
وبين مشاهد الدمار التي خلّفتها الغارات، وسيل الأسئلة التي تفرضها المرحلة، يبقى التحدي الأبرز في الانتقال من منطق الشعارات إلى منطق الأفعال، ووضع حدّ للسلاح المتفلّت الذي أنهك الدولة واستنزف المجتمع، وأثقل كاهل شعب لم يعد قادرًا على تحمّل مزيد من النكبات.