إصلاح وهميّ يُكرّس الفوضى في "الاتصالات" والمخاوف تتفاقم في ظلّ الحرب

إصلاح وهميّ يُكرّس الفوضى في "الاتصالات"  والمخاوف تتفاقم في ظلّ الحرب

وزارة الاتصالات

في لحظة مصيريّة يتآكل فيها ما تبقّى من ثقة بين الدولة ومواطنيها، يقف فيها قطاع الاتصالات على حافة الانهيار، فلا يعود مقبولًا ترف الخطابات ولا الاكتفاء بالعناوين البرّاقة. فحين تغيب الأفعال، وتُستبدل القرارات بالتمنّيات، تتحوّل الخطط إلى أوراق بلا قيمة، ويغدو الإصلاح مجرّد وهم يُسوّق للرأي العام.
 
 وفي قلب هذا المشهد الملتبس، يخرج النائب ياسين ياسين ليكشف بوضوح ما يُحاك خلف العناوين، واضعًا اليد على جوهر الأزمة بلا مواربة، اذ يُؤكّد في حديث لـ"كافيين دوت برس"، أنّ الخطة التي قدّمها وزير الاتصالات شارل الحاج منذ أقل من عام، ورغم ما تضمّنته من عناوين، كانت موضع ملاحظات عدّة منه ومن زملائه، انطلاقًا من مبدأ بديهي أنّ أي سياسة أو خطّة لا تترجم بقرارات تنفيذيّة واضحة، ومراسيم، ومناقصات ضمن مهل محددة، تبقى حبرًا على ورق. إلاّ أنّه، وحتّى اليوم، بحسب ياسين، لم يظهر أي إجراء من هذا النوع، ما يعكس غيابًا فاضحًا للجدول الزمني والتنفيذ الفعلي.
 
 ويرى أنّ هذه الخطة أقرب إلى إدارة للواقع القائم منها إلى مشروع إصلاحي حقيقي، وأنّ الحاج لجأ إلى استخدام عناوين جذابة لا تكفي بحدّ ذاتها، ما لم تقترن بقرارات تنفيذية وآليات رقابة فعليّة، مشدداً على أنّ الحديث عن تطبيق القانون وإنشاء هيئة ناظمة يفقد معناه في ظل غياب حكم مستقلّ، إذ لا يمكن لجهة خاضعة للسلطة نفسها التي تدير القطاع أن تمارس رقابة حقيقية، ما يجعل الرقابة في هذه الحالة شكلية لا أكثر.
 
 
 ويطرح تساؤلات جوهرية: من يتخذ القرار الفعلي؟ وهل تتمتع الهيئة الناظمة باستقلال ماليّ وإداريّ حقيقي؟ أم أنّنا أمام استمرار للنهج القديم نفسه بوجوه جديدة؟ كما يلفت إلى تضارب واضح في المصالح، حيثُ تتولّى الدولة في آن واحد وضع السياسات والتنظيم والتشغيل، وهو ما يُفقد أي إمكانيّة لرقابة جدّية، ويطرح علامات استفهام حول وجود فصل فعليّ بين هذه الأدوار. 
 
 ويُضيف ياسين، لم يحصل حتّى الآن أي تجاوب مع الأسئلة المطروحة، لا على مستوى النقاش ولا على مستوى التنفيذ، سواء خلال مناقشة الموازنة أو في اجتماعات اللجان النيابية، حيثُ اقتصرت الردود على كلام إنشائي فارغ، مشيراً إلى أنّ الحديث الحالي عن إشراك القطاع الخاص يفتقر إلى الشفافيّة: لمن يتبع هذا القطاع؟ وما هي آليات فرض الالتزامات عليه؟ وهل هناك مهل واضحة لتصحيح المخالفات؟ أم أنّ الأمر لا يتعدّى استخدام عناوين جذابة بلا مضمون فعلي؟. وبناءً عليه، يخلص إلى أنّ ما يجري في هذا القطاع ليس إصلاحًا، إنّما تمديد فعليّ للواقع القائم بكل علله.
 

ويحذّر ياسين من خطورة المرحلة، لافتاً إلى أنّ البلاد في حالة حرب، وأنّ غياب التطبيق الشفاف قد يقود إلى سيناريو خطير يتمثل بانقطاع الإنترنت. ويستغرب عدم وجود خطة طوارئ قبل اندلاع الحرب، لافتاً إلى أنّ الحكومة السابقة كانت قد طرحت بديلًا تمثّل بـ"ستارلينك"، التي تحوّلت اليوم إلى واقع قائم رغم ما يحيط بها من مخالفات قانونيّة جسيمة لم تُعالج حتّى الآن.
 ويضيف أنّ الغموض لا يزال يلفّ هذا الملف، مع غياب أي معلومات واضحة حول آلية التعاطي معه، في ظل فوضى كبيرة توحي وكأنّ الاستثمار يُدفع قُدمًا قبل إصلاح الحوكمة، ما يعني تكريس الخلل بدل معالجته.
 
 وفي نقطة محوريّة، يتساءل ياسين عن أسباب تعطيل المبادرات القانونيّة، كاشفًا أنّ زملاءه وهو تقدّموا باقتراح قانون أعدّه خبراء بالتعاون مع "المفكرة القانونية"، وقد وصل إلى الحكومة ثم أُحيل إلى وزير الاتصالات، غير أنّ الأخير نفى استلامه، في حين يؤكّد ياسين أنّ المشروع سُلّم له رسميًا وغير رسميّ، من دون أن يصدر أي رد، معتبرًا أنّ المفارقة تكمن في ادعاء الوزير تطبيق القانون، بينما القانون المعمول به يعود إلى أكثر من 25 عامًا، في وقت تغيّرت فيه التكنولوجيا جذريًا، ما يجعل الاستمرار بتطبيقه أمرًا غير منطقي.
 
 ويعرب عن قلقه من مسار يُعطي انطباعًا زائفًا بالإصلاح، في حين يتم تأجيل القرارات الرقابية الفعلية، ما يؤدي إلى تكريس الفوضى وإبقاء القوانين الحديثة في الأدراج، محذرًا من أنّ غياب الرقابة الحقيقيّة يفتح الباب أمام تلزيمات تفتقر إلى معايير تكافؤ الفرص، ويهدد بتحويل القطاع إلى رهينة لمصالح خاصة، مع ما يحمله ذلك من مخاطر فساد متزايد.
 

ويختم حديثه بالتأكيد أنّ المسؤولية تقع أولًا وأخيرًا على عاتق الوزير، بصفته المعني المباشر بإدارة هذا القطاع، داعيًا إياه إلى الإجابة عن الأسئلة المطروحة وتحمّل مسؤولياته كاملة، لأنّ التاريخ، كما يقول، لا يرحم، وكذلك المستقبل.
 الحاج يرفض التعليق
 وعند مبادرة "كافيين دوت برس" إلى التواصل مع الوزير شارل الحاج، طلبًا لاستيضاح هذه التساؤلات عن وضع الانترنت والتعليق على مجمل ما أُثير من ملاحظات، لا سيما ما قاله النائب ياسين عن اقتراح القانون، فاكتفى برفض التعليق.

ابي خليل 

في المقابل، يشير عضو لجنة الاتصالات النائب سيزار أبي خليل إلى تدهور وضع الاتصالات إلى حدّ العجز عن إجراء اتصال بسيط، مطالبًا الحكومة بوضع خطة طوارئ عاجلة تضمن بقاء لبنان متصلًا بالعالم، ومحذّرًا من أنّ الاستمرار في هذا النهج سيقود حتمًا إلى يوم ينقطع فيه الإنترنت بالكامل.
 

زيتون :لا خطط ولا استعدادات مسبقة

 

"كافيين دوت برس" لم تتوقف عند هذا القدر، فقد تواصلت مع رئيس نقابة العاملين في قطاع الخليوي والاتصالات بول  زيتون، اذ  أكّد أنّ الجانب الإسرائيلي قد هدّد قطاعي الطاقة والاتصالات، ما يجعل قطاع الاتصالات، ولا سيّما خدمة الإنترنت، من القطاعات الحيويّة والأساسيّة التي تندرج ضمن سلّم الأولويات، لافتاً إلى أنّ هذا الملف ينقسم إلى شقّين رئيسيين: الأوّل ذو طابع تجاري يرتبط بعلاقات لبنان الاقتصادية مع الخارج، والثاني يتعلّق بمصير التلاميذ، إذ لا يجوز أن تُهدر سنة دراسيّة من أعمارهم بسبب الحرب، وهم الذين لم يختاروا الانخراط فيها.

 

وشدّد على أنّ الشروع اليوم في إعداد خطة طوارئ يُعدّ متأخّرًا، ليس على مستوى هذه الوزارة فحسب، بل على مستوى الوزارات التي تعاقبت أيضاً في السابق، إذ لم تعتمد أيّ منها خطة بديلة. ويعزو ذلك إلى نهج قائم على التراخي وعدم الاستعداد، حيث اعتاد المسؤولون تولّي مناصبهم دون وضع استراتيجيات واضحة أو خطط احترازية.

 

ورأى زيتون أنّ البديل الوحيد المطروح حاليًا يتمثّل في خدمة "ستارلينك"، غير أنّه يطرح تساؤلًا مشروعًا حول مدى استعداد هذه الخدمة للتعاون مع الدولة اللبنانية، في ظل ما شهدته من تقصير وإهمال، مضيفاً، في حال تمّ اعتماد هذه الخطة، ولو بشكل جزئي لا يغطي جميع المناطق، فإنّها قد تساهم في استمرارية بعض الأنشطة، ولا سيّما العملية التعليميّة، بما يتيح الحفاظ على الحدّ الأدنى من الاستقرار في هذا القطاع الحيوي.

كذلك يشير إلى أنّه كان من المفترض بالوزارة المعنية إعداد خطة طوارئ متكاملة، عبر تشكيل هيئة مختصّة تتولّى وضع تصوّر استراتيجي للمستقبل، بحيث يكون هناك بديل جاهز في حال وقوع أزمات أو حروب، بدل الوصول إلى الواقع الراهن. 

 

وختم حديثه بالتشديد على أنّ ما يُقال عن وجود خطط بديلة لا يتعدّى كونه شعارات غير مطبّقة على أرض الواقع، مؤكّدًا أنّه لو كانت هناك خطة فعليّة، لكان من الضروري إشراك أصحاب الاختصاص فيها، أو على الأقل خروج الوزير إلى الرأي العام لطمأنة المواطنين والإعلان بوضوح عن وجود بدائل جاهزة.

 

اقرأ المزيد من كتابات كارين القسيس