الذكرى السادسة لإنفجار المرفأ : المطالعة والقرار الاتهامي سيصدران في 2026

الذكرى السادسة لإنفجار المرفأ : المطالعة والقرار الاتهامي سيصدران في 2026

انفجار المرفأ ( صورة خاصة بكافيين دوت برس)

تعود الذكرى السادسة لانفجار مرفأ بيروت، كسابقاتها، من دون صدور  ما ينتظره ذوو الضحايا من نتائج تحقيق دمَّرت في لحظة غدر درّة الشرق على شاطىء البحر المتوسط، وصلة الوصل الحيوية بين الشرق والغرب. مثلما دمّرت محيطه والجميزة والاشرفية، وتحوّل المشهد الى لحظات رعب ودماء ودمار وجثث منتشرة على الطرقات ومعهم جرحى بالمئات يصرخون علَّ من يسمع وجعهم لينقذهم من الموت وسط دخان ابيض ممزوج  بسواد غطّى فضاء الشوراع. فيما آخرون يهرولون على الطرقات والدماء تتقاطر من وجوههم واجسادهم رُبّ عابر سبيل ينقلهم الى اقرب مستشفى التي استنفرت كما سائر المستشفيات في العاصمة والمحيطة بها  للحالات الطارئة، ولم تعد لتتسع المزيد. تلك المشهدية لصُور مآسي  الرابع من آب 2020 مطبوعة في الذاكرة، لا يمكن للنسيان ان يمحو آثارها في النفوس، او يسلو عن تلك الممرضة التي حملت ثلاثة توائم وهي تجتاز الكيلومترات سيرًا على الاقدام لإنقاذ حياتهم، ولا ذلك المواطن الذي لم يعد يعرف ان كانت السيارة التي كان يقودها  لا تزال تندفع  على الطريق او حملهما معًا ضغط الانفجار امتارًا في الجو، ولا ايضاً  مدبرة المنزل التي حمت طفلًا من موت محتم. ولا كيف قذف عريسين في يومهما اثناء التقاط صور تذكارية وسط بيروت، حيث اتى الانفجار على كل ما يمّت الى الزجاج بصِلة، ولا التهجير من المنازل المهدمة او خرّبها الانفجار ولا الهجرة الجماعية القسرية للاهالي في المناطق التي أعاث الانفجار بها تدميرًا هربًا من الرعب والذعر الذي عاشوه. هذا قليل مما احدثه انفجار كمية  2750 طنًا من نيترات الامونيوم كانت موضوعة في العنبر رقم 12 داخل المرفأ ، ولعب وجود  اهراءات القمح داخله دورًا كبيرًا في تشكيل سور حماية أهالي الشطر الغربي من العاصمة.

   ورغم ان ملف التحقيق في هذا الانفجار لم يُطو بعد في سنته السادسة، إنما وضعته على الطريق الصحيح الذي سيؤدي الى سلوكه قاعة المجلس العدلي. واكد مرجع قضائي لـ"كافيين دوت برس" ان سنة 2026 ستشهد صدور القرار الاتهامي في هذه الجريمة، وإحالة الملف على هيئة المجلس العدلي، بعدما  شهد تطورًا متقدمًا وأساسيًا في ملف ذات طابع جزائيّ خلال السنة الحالية بختم قاضي التحقيق العدلي طارق البيطار  تحقيقاته وإيداعها المحامي العام العدلي القاضي محمد صعب، الذي كان بدأ بوضع المطالعة في الاساس بتكليف من النائب العام التمييزي السابق القاضي جمال الحجار في نيسان الماضي، ليتوقف عن مهمته في الفترة الانتقالية وإمتدت حوالى الشهر، مع تسلّم النائب العام التمييزي رامي الحاج مهماته على رأس النيابات العامة ومن ثم إصدار قرار جديد بتكليف القاضي صعب متابعة السير في إنجاز المطالعة في الاساس الملزمة لصدور القرار الإتهامي، وسيستغرق عمله أشهرًا اخرى.

من يعرف القاض صعب يدرك مدى دقّته الفائقة في التعامل مع اي ملف يقع تحت يديه، واسهابه في تعليل قراراته المتصلة بجنحة، فكيف يكون الامر عليه في تناوله قضية وُصفت بجريمة العصر وتضم تحقيقاتها آلاف الاوراق والمحاضر والمستندات وأجوبة من الخارج عن استنابات كانت لا تزال تتوارد حتى الامس القريب.ومعروف عنه انه يقرأ الفاصلة والنقطة كمن يُعدّ لامتحان مفصليّ وعليه الاطلاع على كل سطر في الملف وكل زاوية في طياته حتى لا يتفاجأ بأي معلومة وردت فيه، يمكن ان تؤثر في المجرى القانوني. وينصرف بعيدًا عن كل نُظرائه، وعلى حساب عائلته الى عمله، بمعدل 12 ساعة يوميًا تمتد حتى ساعات الفجر كمّن يُعدّ أطروحة الدكتوراه التي يمكن ان ينتظر التحضير لها مدة اطول. لكن المطالعة في ملف المرفأ لن يستنفد إنجازها كل هذا الوقت، إنما ينقل عنه عارفوه ذلك للدلالة على ان الجهد الذي يبذله لوضعها في مهلة معقولة، بات انتهاء مناوبته في العطلة القضائية على الابواب. وعادة يستفيد القاضي من هذه العطلة لتجديد طاقته مع استقبال سنة العمل الجديدة التي تبدأ في 15 ايلول المقبل، في حين لن يغادر المحامي العام العدلي ملفه بل ستتيح له العطلة الفرصة للانصراف كليّا الى ملفه، ما يؤشر الى ان انجاز المطالعة خلال سحابة ثلاثة أشهر تقريبًا.

ومعروف عن القاضي صعب أيضًا سعة معرفته في الاصول الجزائية وله نتاجه القانوني المتشعّب في هذا المجال، نال شهادة دكتوراه بدرجة امتياز أخيرًا في بيروت العربية عن مسألة قانونية تناقش للمرة الاولى في الشرق الاوسط وتطبق في اميركا وبعض دول اوروبا بعنوان " المساومة على الحق العام". ويُعتبر  ايضًا من الاشخاص الذين يحاكون الوجدان في صياغة قراراتهم والضمير. ففي وجدانه ٢١٤ شهيدًا وحوالى سبعة آلاف جريح بعضهم أصيب بإعاقات دائمة، عدا الدمار واثارة الرعب والذعر في نفوس المواطنين في قضية الاعتداء على امن الدولة هذه، ما استدعى إحالتها على المجلس العدلي المحكمة العليا في القضاء التي تصدر أحكامًا  مبرمة غير قابلة لأي من طرق المراجعة. ومعلوم ان المحامي العام العدلي هو ممثّل الحق العام في المحاكمة التي ستجري امام هيئة المجلس العدلي، وهذا يعني انه سيدافع عن مضمون مطالعته التي هي قيد الاعداد، وما ستنتهي اليها خلاصتها من مطالب الى المحقق العدلي. صحيح انها غير ملزمة للقاضي البيطار، انما تبقى قائمة من منظار المحقق العدلي الى ان يصدر قراره الاتهامي.

وقضية انفجار النيترات امونيوم في المرفأ تحولت الى قضية رأي عام منذ اللحظة الاولى على دويّه داخل لبنان  وخارجه. ومن خلال ما ستتضمنه القرارات التي ستُتخذ في هذا الملف ستكون موضع انتباه لجهة مضمونها وما ستؤول اليه. وقيل ان النقاط القانونية التي تطرق اليها وسبل معالجتها، وما ترافق معها من عشرات الطلبات لرد القاضي البيطار ومخاصمته اما الهيئة لمحكمة التمييز كفيلة بأن تُدرس جامعيًا في كليات الحقوق. والكل ينتظرها لهذه الجهة سواء للحكم على تجربة القضاء في هذا الملف المحجم سواء من المنظار الخارجي للحكم على القرارات  التي سينتهي اليها ووزنها او على صعيد القضاة الذين سيتناوبون على اصدراها بدءًا من مطالعة القاضي صعب التي ستترك اثرها من الناحية القانونية، وقبله القاضي البيطار وما اجتازه من مصاعب وثبات في مهمته وصولًا الى ختم تحقيقاته.

 

 

اقرأ المزيد من كتابات كلوديت سركيس