حديقة كرمسده تحوّلت فرصة عمل وأمل للشباب
شباب الكشافة وخلفهم الكيوسكات
ثمة ظاهرة اثبتت مع الوقت ان توفير حياة آمنة ومقبولة في مسقط الرأس والإبتعاد عن عناء اجتياز المسافات تحصيلًا للقمة العيش في المدينة، كفيلة بان يختارها الانسان على ما عداها، شرط تهيئة البيئة الحاضنة وخلق الظروف المؤاتية لهذا الهدف. فإبن البلدة لا يقرر الابتعاد عنها ليجعل المدينة مقصده الا طلبا لتأمين حياة كريمة. ربما كانت الازمة الاقتصادية في وجهها البشع المثقل بالعناء والقلق على الحاضر والغد سببًا إضافيًا في العودة الى القرى إذا اتيحت الفرصة له ليبقى في بلدته ويخلع من رأسه فكرة الإبتعاد عنها الى المدينة التي باتت اكثر فأكثر مسكونة بالباطون والزحمة، او التفكير في أبعد من ذلك بإختيار الهجرة الى الخارج، بحثًا عن عيش افضل. غير صحيح ان اللبناني تأسره نزعة الهجرة، والتغنّي بذلك على الدوام، اذا تأمنت الفرصة المؤاتية له في بلده، وإنتفت الاسباب التي تحمله على إتخاذ قرار الهجرة لَمَا إبتعد عن حاضنته. ومردّ ذلك الى انه لطالما شجعت السياسة العامة المتبعة على التحفيز على خيار الهجرة الداخلية بعيدًا من التخطيط والتنمية، إن لم يكن في السلم تارة، ففي ابتكار شتى انواع الحروب التي تشجع على حزم حقيبة السفر لإنعدام الرؤية او عن سبق تصور وتصميم طورًا.
في منحدر الجبل المكسو بنباتات برية يضفي اللون الاخضر رونقًا وبريقًا اينما جال النظر من تلك الحديقة المنسية التي تآكلتها الأعشاب الموسمية، واهلكت الامطار والرياح محتوياتها بعدما اقفلت ابوابها بفِعل الظروف. عادت اليوم وفتحت ابوابها امام ابناء البلدة في حلّة جديدة، وتحولت بهمّة العنصر الشبابي وبسحر ساحر الى متنفس لأبناء بلدة كرمسده قضاء زغرتا، وباتت بين ليلة وضحاهًا مقصدًا لهم وباب عمل وفرج لعديد من الشبان. ونزعت من أذهانهم فكرة السفر. وحافظت على بقائهم في البلدة التي يغلب عليها الطابع القروي، تؤمن لأبنائها نوعًا من الإكتفاء الذاتي وتسدّ في أحيان كثيرة حاجة اللجوء الى المدينة لتوفير غير المتيسر منها، فيما تغيب عنها النشاطات ما خلا الرياضية منها حيث ملعب بلدي يؤمه النشئ.
إتخذت البلدية القرار بإعادة تأهيل الحديقة وتحويلها من مكان لهو لألعاب الأطفال تآكلها الصدأ الى متنَزه شكّل موردًا لجيل من الشباب ممن لم تتوفر لهم فرص العمل بينهم طلاب يرغبون في ملء اوقات الفراغ خلال العطلة الصيفية والافادة. إعادة التأهيل انتهت عمليًا خلال شهرين بهمّة الشباب أيضًا على ما ذكره رئيس بلدية كرمسده الياس الخوري لـ" كافيين دوت برس "، ليفتتح خلال مباريات كأس العالم".
أخذ الاهالي يرتادون المتنزه متابعة لأحداث بطولة كأس العالم لكرة القدم على شاشة عملاقة.ويضم 13 كيوسكًا خشبيًا شيُدوا في شكل مُنسق اشبه بمنازل ضيوف صغيرة الحجم على مدخل الملتقى. يتوزع في كل منها شبان في الغالب تتراوح اعمارهم من 20 الى اقل من ثلاثين عامًا. يؤمنون الوجبات السريعة وتوابعها للرواد. وبحسب الخوري فإن الاتجاه نحو توسعة المكان برصف مساحة اخرى بقصد إستيعاب المزيد منهم.اما مَن يعمل داخل هذه المحال فيقول " نحو 13 شابًا بينهم طلاب جامعيون ومتأهلون بلا وظيفة،يمكثون بلا عمل، وشكَّل انجاز هذا المشروع باب امل لهم وثباتهم في ارضهم ".
ما لم يخبره رئيس البلدية رواه رب عائلة، الشاب جورج انه كان يعمل في جونيه ويجتاز المسافات يوميًا من بلدته الى ان اضحى الراتب يوازي تكاليف تنقل، فمكث في المنزل في انتظار عمل جديد، فأتاه من خلال واحد من الكيوسكات بلا إيجار ونشارك مع الآخرين في تكلفة التيار من مولد الطاقة والحمد لله مستورين".
ويؤمن الخوري جانبًا من فاتورة المولّد ويتطلع الى توفير الطاقة الشمسية في وقت قريب للتوفير على جيوب الشباب.ويفخر بتحقق هذه الخطوة" لأن رهاننا على جيل الشباب. هو المستقبل. نريده ان يبقى في بلده وقريته وان لا يهاجر وفي الوقت ان لا ينجَر في طريق الخطأ، لا سمح الله، فيهوى وتهوى عائلته معه. لقد اوقفنا النزف في البلدة".وفي رأيه ان "خلق فرصة عمل للشباب افضل من التجمع في ساحة البلدة بلا عمل. واتت الحديقة -المتنزه في وقتها. وبات كل شاب وصبية يتكلان على نفسهما، وعند انتهاء العمل يعودون الى منازلهم".لقد رفضنا إقامة حفل افتتاح لهذا المشروع لأنه حقّ لشباب كرمسده". ويتطلع الى تأهيلها لتصبح حاضرة في فصل الشتاء وليتابع الشبان عملهم". والاهم في نظره هو تلاقي اهل البلدة مع بعضهم البعض في الحديقة بعد انغلاق فرضه داء كورونا وشحّت بعده العلاقات بين الناس".
في الغضون كانت الطالبة الجامعية تنهمك في تلبية طلبات المأكل للرواد، وتهتم شقيقتها في تأمين بطاقات الدخول على مدخل الحديقة.
العنصر الماديّ اساسيّ في اي مشروع .يشير رئيس البلدية الى ان التكلفة تمّت باللحم الحي حتى اعضاء البلدية شاركوا بها الى ايادي بيضاء من اهل البلدة". اضاف ان "مسألة التصميم الخشبي وتنفيذه كانت على عاتق نائب رئيس البلدية بول سركيس. وشارك الشبان في حركة بناء اماكن العمل ما وفّر تكلفة اليد العاملة. وتطرق الى الملعب البلدي وتسليم ادارته الى شربل منصور هو عضو بلدي وعنصر شبابي من محبي الرياضة".
ينتظر الخوري ردّ وزارة الاشغال بعد الموافقة على إقرار مخصصات لبلدية البلدة من اجل تزفيت طرقاتها"، بعدما انجزت انارة طريقها الرئيسي على الطاقة الشمسية"، مبديًا قلقًا من "تأخر وزارة البيئة في اقرار رخصة تشحيل الاحراج في البلدة" متمنيًا الاسراع في إنجازها تلافيًا للحرائق، في وقت كان حرج بلدة ايطو تلتهمه النيران، ويشارك في إخماده سكان البلدة والقرى المجاورة والفاع المدني وطوافات الجيش.
فجأة وفي خضم العجقة واصداء الموسيقى المتصاعدة وتمازج اغنيات الزمنين الجميل والحالي يقتحم مجموعة من الشبان المنظر في لباس موَحد عابق، ويشاركون مباشرة في حلقات الرقص والدبكة. وذهب الظن الى انهم فرقة رقص ليتبين انهم من مجموعة كشفية تخيّم في أطراف البلدة حضروا على صوت الموسيقى وشاركوا المشاركين.هي نخوة الشباب المحرك الاساسي لكل مبادرة ومجتمع مفعم بالطاقة والحيوية وعلى دورهم الاعتماد في بناء الوطن.

