السُنّة في لبنان: ظاهرة "ابو عمر" وسط فراغ القيادة وغياب المرجعيّة

السُنّة في لبنان: ظاهرة "ابو عمر"  وسط فراغ القيادة وغياب المرجعيّة

لم يكن بروز ما بات يُعرف بـ"قضيّة أبو عمر" تفصيلًا عابرًا في سياق الانهيار اللبناني، ولا حادثة يُمكن تطويقها ببيان توضيحي أو نفي سياسي أو تحميل مسؤوليات فرديّة. فما تكشّف يتجاوز اسمًا وسلوكًا شخصيًا، ليُعيد فتح جرح قديم ومتجدّد في آن واحد، فراغٌ سياسي وتمثيلي داخل الطائفة السنيّة، تراكم بهدوء، قبل أن ينفجر على الملأ، كاشفًا هشاشة البنى، وضياع البوصلة، وسهولة اختراق الساحة بأوهام النفوذ وادّعاءات الدور.

هذا الفراغ لم يُنتج تباينًا في المواقف فحسب، بقدر ما أتاح أيضًا صعود ظواهر ملتبسة، تقدّمت لتملأ المساحة الشاغرة، مدفوعة بغياب المرجعية، وتراجع الدولة، ومناخ عام بات يكافئ الجرأة على الادّعاء أكثر ممّا يحترم معايير الشرعيّة والمسؤوليّة.

ومع ذلك، فإنّ قراءة هذا المشهد من زاوية طائفيّة ضيّقة تُفقده كثيراً من دلالاته، فما ظهر إلى العلن ليس سوى تعبير صارخ عن أزمة سياسيّة لبنانيّة شاملة، تحوّلت فيها الطوائف، بدرجات متفاوتة، إلى ساحات مفتوحة أمام الطامحين والمغامرين وأصحاب المشاريع الرماديّة، في ظلّ انهيار الدولة وتآكل مؤسساتها.

علوش: الخلل في العمل السياسي لا في طائفة بعينها

12.jpg 77.68 KB
من هذا المدخل، يقدّم النائب السابق الدكتور مصطفى علوش قراءة تتجاوز الانفعال الآني، معتبرًا أنّ ظاهرة "أبو عمر" ليست أزمة سنّية بحتة، إنّما انعكاس لهشاشة عامة تطاول مختلف الطوائف، فالأسماء الواردة في هذا الملف لا تنتمي إلى بيئة واحدة، وإن كانت الغالبية من السنّة، ما يؤكّد أنّ الخلل كامن في بنية العمل السياسي نفسها، لا في طائفة بعينها. ويُشدّد على أنّ ما كُشف هو ضعف بعض الساعين إلى المواقع والنفوذ، الذين يظنّون أنّ الطريق إلى السلطة أقصر وأيسر مما هو عليه في الواقع، فيقعون فريسة سهلة لمن يبيعون الأوهام مستغلّين الطموحات في زمن الفراغ.
 
ويربط علوش هذه الظاهرة بسياق تاريخي أوسع، مذكّرًا بأنّ لبنان شهد نماذج مشابهة في طوائف أخرى خلال مراحل الاحتلالات والتدخلات الخارجيّة، حين لجأت بعض الشخصيات السياسيّة إلى قوى خارجية بحثًا عن حماية أو مكسب، فتحوّل الفراغ السياسي إلى بيئة خصبة لعمل المحتالين. لكنّه يتوقّف عند حساسيّة اللحظة الراهنة، محذّرًا من محاولات استهداف مفتي الجمهورية الشيخ عبد اللطيف دريان عبر توظيف هذه القضيّة لأغراض شخصيّة أو سياسيّة، داعيًا إلى ترك التحقيقات تأخذ مجراها القضائي الطبيعي، ومحاسبة كل من يثبت تورّطه، بعيدًا من منطق الاستثمار الشعبوي أو التصويب الانتقائي.
 
غير أنّ هذه المقاربة، على أهميتها، تفتح الباب أمام سؤال أوسع: هل نحن أمام حادثة عابرة، أم أمام نمط يتكرّر عند كل استحقاق سياسي؟ وهنا ينتقل النقاش من توصيف الهشاشة إلى تفكيك الظاهرة نفسها.
 

 الشريف: الظاهرة ربطًا بتدهور التمثيل السنيّ

123.jpg 42.8 KB
في هذا الإطار، يُشير الكاتب السياسي الدكتور خلدون الشريف إلى أنّ هذه الظاهرة ليست وليدة اللحظة، بل تعود إلى عام 2018، اذ كانت تظهر مع كل استحقاق انتخابي، ثم تتوارى مع انتهائه، ما يثير تساؤلات جدّية حول احتمال وجود خلفيات أمنيّة للملف، وإن ظلّت تفاصيلها غير واضحة حتى الآن. ويربط بين تكرار هذه الظواهر والتدهور العميق في التمثيل السياسي السُنّي عقب غياب رئيس الحكومة السابق سعد الحريري، معتبرًا أنّ الطائفة التي كانت تُدار ضمن قيادة مركزية منذ عهد الرئيس رفيق الحريري، ثمّ عبر نجله، دخلت مرحلة تشرذم حاد مع غياب هذا الرأس الجامع."

ويرى الشريف أنّ استعادة التوازن داخل الساحة السنيّة ليست قرارًا لحظيًا، بقدر ما هو مسار طويل ومعقّد، في ظل واقع سياسي لبناني عام شديد التفكّك. ومن هذا المنطلق، يستغرب تصاعد الدعوات إلى استقالة المفتي دريان، معتبرًا أنّ مثل هذا الطرح يفتقر إلى المبرّرات قبل صدور نتائج التحقيق، ولا سيما أنّ عددًا كبيرًا من الشخصيات، بحسب تعبيره، تعرّضت لمحاولات استدراج أو تضليل، ما يجعل تحويل الملف إلى أداة لتصفية الحسابات أمرًا بالغ الخطورة.
 وعند هذه النقطة، تتّسع دائرة الأسئلة: من كان مستهدفًا؟ ولماذا؟ وهل شكّل المال مدخلًا أساسيًا للنفوذ؟ هنا يبرز بُعد إضافي من المشهد، يُضيء على طبيعة العلاقات التي نسجها "أبو عمر" داخل الوسط السياسي.
وفي السياق نفسه، يلفت الشريف إلى أنّ "ابو عمر"  وهو غير مصطفى الحسَّيان، كان يُركّز في تواصله على شخصيات تمتلك المال والقدرة المالية والنفوذ، معتبرًا أنّ هذا العامل يفسّر جزءًا من خياراته، إذ لا مصلحة له في التعامل مع شخصيات تفتقر إلى النفوذ أو الإمكانات. ويؤكّد أنّ كثيرًا من جوانب الملف لا تزال غامضة، ولم تُكشف بعد، ما يستوجب التريّث وعدم التسرّع في إطلاق الأحكام، خصوصًا في بلد اعتاد تحويل الشبهات إلى إدانات قبل اكتمال الوقائع.
 لكن النقاش لا يتوقّف عند حدود الأشخاص، بل يتجاوزهم إلى سؤال القيادة والتمثيل، ففي حين تمتلك طوائف أخرى أطرًا سياسيّة واضحة، سواء عبر ثنائيّة أو تعدديّة قيادية، تعيش الساحة السنيّة حالة تفتّت غير مسبوقة، اذ  يضمّ البرلمان سبعةً وعشرين نائبًا يعمل معظمهم دون مرجعيّة جامعة، لكلّ منهم مساره السياسي الخاص، ومع ذلك، فإنّ غياب المرجعيّة لا يشكّل بالضرورة خللًا بنيويًا في حدّ ذاته، بقدر ما يعكس تحوّلًا في طبيعة العمل السياسي، وإن كان هذا التحوّل يجري في ظروف بالغة السوء.
 
 من هُنا، تبرز ضرورة توسيع زاوية النظر وعدم حصر الأزمة في الساحة السنيّة وحدها، إذ إنّ أي طائفة أخرى، لو وُضعت في ظروف مشابهة من الفراغ والاختلال في موازين القوى، لكانت شهدت ظواهر مماثلة.

التنير: تعمّ الفوضى بسبب غياب الدولة

 
 هذا الانتقال من السياسة إلى بنية الدولة يقود إلى جوهر المأزق اللبناني، ماذا يحدث عندما تغيب الدولة؟

567.jpg 47.13 KB
تقول الناشطة السياسيّة والأستاذة الجامعية الدكتورة لينا التنّير إنّ ما يجري هو نتيجة مباشرة لتراجع هيبة الدولة وسلطتها، فحين تُضعف مؤسسات الدولة وتُفرّغ من دورها، تملأ الأحزاب والمرجعيات البديلة هذا الفراغ، فتعمّ الفوضى، ويضيع المواطن بين سلطات متعدّدة، ويصبح الادّعاء بالتمثيل أمرًا متاحًا لكل من يمتلك الجرأة لا الكفاءة.
وتنتقد التنّير ثقافة الارتهان المزمنة للخارج، معتبرةً أنّ الحلّ لا يكمن في إعادة إنتاج قوّة طائفيّة في مواجهة قوى طائفية أخرى، إّنما بناء قوة لبنانيّة جامعة، تستند إلى دولة قادرة وعادلة، يتمتّع في ظلّها جميع المواطنين بالحقوق نفسها، ويلتزمون الواجبات نفسها، دون وسطاء أو أوصياء.
  وتختم حديثها بالقول إنّ الأزمة اللبنانية تأتي في سياق عالمي مضطرب، يشهد بدوره خللًا بنيويًا في الأنظمة السياسيّة والاقتصاديّة، وإن كان لبنان يدفع ثمنه مضاعفًا بسبب هشاشته الداخليّة.

في المحصّلة، تكمن خطورة "حالة أبو عمر" في البيئة التي سمحت بظهوره، وفي الفراغ الذي جعل الادّعاء ممكنًا، والتصديق محتملًا، والاستثمار السياسي مغريًا، فالقضية ليست إسقاط اسم أو حماية موقع، بقدر ما هي مواجهة حقيقة قاسية أنّ الدولة غائبة، المرجعيات متآكلة، والساحات مفتوحة أمام كل من يجيد اللعب على الوهم والطموح، وبالتالي ما لم يُملأ هذا الفراغ بدولة فعلية، سيبقى لبنان ينتج، في كل مرحلة، نسخًا جديدة من الظاهرة نفسها، بأسماء مختلفة، وأدوار متشابهة، ونتائج كارثيّة واحدة.

 

اقرأ المزيد من كتابات كارين القسيس