النازحون من الجنوب وتجربة مهجري الجبل
من عايش التهجير من حرب الجبل عام 1982، يستعيد اليوم، امامه صور التهجير الذي يعيشه اهل الجنوب على يد الجيش الاسرائيلي. لكن التهجير من الجبل، يعطي كذلك، نموذجًا حيًا عما يمكن ان يصادف مهجري الجنوب والنازحين الى المحافظات الاخرى، في تجربة مماثلة لتهجير الجبل ونزوح ابنائه الى اقضية المتن وبعبدا وكسروان وجبيل، و"بيروت الشرقية".
بعد مرور 44 عامًا على تهجير، الجبل، ومرور 25 عامًا على مصالحة الجبل، التي رعاها البطريرك الماروني الراحل الكاردنيال مارنصرالله بطرس صفير، لا يزال الجبل وتحديدًا في قضائي عاليه والشوف، يعاني من النزوف المستمر ومن عدم عودة المسيحيين في شكل كامل اليه. ورغم انشاء صندوق المهجرين وملايين الدولارات التي دفعت للمصالحات والاعمار، ورغم استباب الامن في هذه المناطق الا ان المسيحيين لم يعودوا في شكل كامل الى بلداتهم التي نزحوا منها. لا بل ان اكثرية المناطق لا تزال غير مأهولة الا في الاعياد وفي عطل الاسبوع وغالبًا في ايام الصيف او ابان المآتم.
لا تزال حرب الجبل تقف عائقًا امام العودة، لا سيما ان هناك جيلًا ثانيًا وثالثًا، ولد وعاش خارج بلدات الجبل، بعدما استوطن اهله واجداده في اقضية كسروان وجبيل والمتن وبيروت التي نزحوا اليها ابان الحرب. وابناء هذين الجيلين اسسوا حياتههم والتحقوا بالمدراس والجامعات في هذه المناطق، ولا يعرفون من ضيعهم الا الاسم والمشاوير الصيفية، فحسب.
عادة كان اهل الجنوب يتساءلون عن كيفية تمكن ابناء الجبل من البقاء بعيدًا عن بلداتهم. فيما كان كثير من الجنوبيين يعملون في بيروت او يملكون شققًا صغيرة فيها، يعودون في حالات كثيرة يوميًا الى بلداتهم، حيث بنوا فيها منازل لهم، كانت كلفتها اقل بكثير من كلفة شراء منزل في بيروت وضواحيها. ومثلهم كان يفعل المغتربون في افريقيا الذين كانوا يصرّون على بناء منازل في بلداتهم. وكانت مبادرات البناء تتكرر بعد كل جولة حرب مدمرة.
اليوم، نزح من جنوب الليطاني وحتى شماله، اكثرية السكان وابناء الطائفة الشيعية، الى مناطق صيدا وبيروت وتوزعوا في اقضية جبل لبنان. واذا كان من الطبيعي ان يكون الاصرار على العودة عند استباب الوضع الامني ووقف النار، الا ان الواقعية تفترض التعامل مع احتمالات العودة في شكل منطقي.
ما تهدّم في الجنوب ليس الابنية فحسب، وليس القرى التي عملت فيها اسرائيل دمارًا واسعًا، انما الارض بذاتها والبنى التحتية برمّتها، ما يستوجب خطة اعمار شاملة قد تستلزم سنوات طويلة. والنازحون الى المناطق الداخلية لن يكون بمقدورهم العودة الى بلداتهم قبل سنوات، وهذا يعني ان الاف اللبنانيين سيعيشون التجربة نفسها التي عاشها مهجرو الجبل، الذين لم تغرهم العودة الى الجبل، لاسباب بدأت امنية واصبحت مع مرور السنوات واقعية تتعلق بالعمل والدراسة وسبل العيش. وهذه مسألة تحتاج الى كثير من الواقعية في التعامل مع النزوح على حقيقته التي فرضتها اسرائيل من جراء عمليات التهديم الواسعة، وتأثيرات النزوح في الوضع الداخلي بعد هدوء العاصفة، وما ستخلفه من متغيرات اجتماعية وبنيوية في الحياة اللبنانية.