الحساسية المسيحية في تفاوض رئيس الجمهورية مع اسرائيل

 الحساسية المسيحية في تفاوض رئيس الجمهورية مع اسرائيل

الرئيس عون والسفير كرم

ارتفعت في بعض مناطق جبل لبنان صور رئيس الجمهورية جوزف عون  تحت شعار "ضامن السلام". الحملة الاعلانية على الطرقات في ما يسمى مناطق ذات الاغلبية المسيحية، تعبّر عن جوّ سياسي  داعم لرئيس الجمهورية في المفاوضات التي يقودها مع اسرائيل. لكن هل هذا الجوّ ملائم في خصوصيته في الظرف الحالي الذي يعيشه لبنان والمسيحيون.

سلسلة مفارقات يمكن التوقف عندها في مقاربة طرح التفاوض مع اسرائيل:

اولا رئيس الجمهورية الذي يطرح السلام مع اسرائيل، لا ينطلق من واقع مسيحيّ. بمعنى انه لم يأت الى رئاسة الجمهورية ممثلًا عن المسيحيين الذي سبق ان اختاروا قياداتهم المسيحية عبر احزابهم وانتخاباتهم. وحين وصل قائد الجيش جوزف عون الى رئاسة الجمهورية، انما وصل بتزكية السعودية ومونتها على حلفائها من المسيحيين الذين لم  يكونوا قد اختاروا عون مرشحهم، بالتوافق مع حزب الله وصياغة تفاهم معه، اضافة الى القوى السنيّة. ولم ينتخبه فريق اساسيّ من المسيحيين اي التيار الوطني الحرّ. وهذا يعني ان من يطرح السلام هو رئيس الجمهورية، وليس رئيسا ممثلًا للمسيحيين، وليس المسيحيون هم الذين يطالبون بالسلام مع اسرائيل كبند مستقلّ عن المجرى العام للاحداث.

ثانيا يخوض المسيحيون  معركة دعم رئيس الجمهورية، في وجه حزب الله وطلب وقف النار، وليس حصرًا  في طلبه التفاوض مع اسرائيل. وهم ينطلقون من واقعة الحرب المدمّرة ومن قرار الحكومة حصر السلاح. لكن المشكلة هي انه لن يبقى من هذه المعركة سوى شعار خوض المسيحيين معركة السلام مع اسرائيل، تيمنًا بما سبق ان شهدته الحرب اللبنانية من تواصل مع اسرائيل وصولا الى اتفاق 17 ايار. تماما كما يحصل للقرى المسيحية الحدودية التي تعيش تحت وقع الحصار المفروض عليها والخوف الدائم من تعامل القوى السياسية غير المسيحية معها، لمجرد ان ابناءها لم يتركوا بلداتهم، فيما تخلت عنهم السلطة والجيش اللبناني الذي تركهم لمصيرهم.

ثالثا، استطرادًا لما سبق، يؤكد رئيس الجمهورية ان الوفد المكلف التفاوض سيرأسه السفير سيمون كرم. الواقع ان هناك وجهة نظر سياسية تتحدث عن ضرورة ان يتحسّب المسيحيون من ان يمثّل الوفد اللبناني المفاوض، مسيحي ماروني للحديث مع اسرائيل، مكلّفًا من رئيس الجمهورية الماروني. الاكيد ان الموضوع لا يتعلق بحيثية كرم بذاته، بل بالموقع الماروني لرئيس الوفد. فالرئيس السوري حافظ الاسد كان يختار سنيًّا للتفاوض مع اسرائيل. فاروق الشرع ووليد المعلم نموذجان. وضعية لبنان والحساسيات المتعلقة بالقضية الفلسطينية، وضعت دائما التفاوض مع اسرائيل في خانة  الطرف السنيّ. صحيح ان رئيس الحكومة نواف سلام موافق على التفاوض وحكومته هي التي اطلقت المسار، الا ان هذه القضية كانت في عهدة القوى السنية، والامتداد العربي، الذي يفترض ان تُرمى كرة التفاوض عنده. وهذا الامر لا علاقة له بوفد مختلط طائفيًا او مذهبيًا. بل بأصل الصراع العربي الاسرائيلي وترك التفاوض واستنادًا الى تجارب التفاوض السابقة، في يد المرجعيّات السنيّة ومن يمثّلها، ولو كان التفاوض حق لرئيس الجمهورية، الذي في استطاعته اختيار من يمثّل لبنان، والافضل الا يكون مسيحيًّا ومارونيًّا.    

   

اقرأ المزيد من كتابات هيام القصيفي