الجنوب المسيحي على المحك • السفير البابوي في الواجهة • اتصالات القوات والتيار لمنع التهجير

الجنوب المسيحي على المحك  •	السفير البابوي في الواجهة  •	اتصالات القوات والتيار لمنع التهجير

السفير البابوي ( الوكالة الوطنية)

مرّةً جديدة، تقف البلدات المسيحيّة الحدوديّة في الجنوب على خطّ النار، وكأنّ قدرها أن تكون دائمًا الجدار الأوّل الذي يتلقّى الضربات في بلد اعتاد أن يخذل أبناءه عند كل مفترق مصيري. هذه القرى التي لم تختر الحرب يومًا، ولم تكن طرفًا في أيّ صراع، تجد نفسها مرارًا وتكرارًا في قلب العاصفة، تدفع أثمانًا باهظة من أمنها واستقرارها وأبنائها، إذ أنّها بالكاد ترفع عن كاهلها غبار حرب حتى تُستدعى إلى حرب أخرى، وكأنّ النزف بات قدرًا ملازمًا لها في وطن يكثر فيه الكلام عن الشراكة والعيش المشترك، وتقلّ فيه الأفعال.
 
 أهالي هذه القرى لا يطلبون امتيازات ولا معارك، بل حقًّا بديهيًّا في الحياة الآمنة على أرضهم. يريدون أن يبقوا في منازلهم، في كنائسهم وحقولهم وذاكرتهم الجماعية التي صمدت رغم كل العواصف، غير أنّ ما يكشفه الواقع اليوم أنّهم، في لحظة يفترض أن تتكثّف فيها المواقف الداعمة، يجدون أنفسهم أمام صمت بكركي، الجهة التي كان يُفترض أن تكون في مقدّمة المدافعين عن بقائهم وصمودهم. لكن المشهد أظهر في الواجهة دورًا لافتًا للسفير البابوي في لبنان المطران باولو بورجيا، الذي، ومنذ اندلاع حرب الاسناد 2024 وضع معاناة أهالي القرى الجنوبيّة في صلب اهتمامه، ولم ينقطع عن متابعتهم والوقوف إلى جانبهم.
 
 ومع مقتل الأب بيار الراعي، توجّه المطران بورجيا فورًا إلى بلدة القليعة، حيثُ بدأ جولة ميدانيّة شملت القرى المجاورة، من دير ميماس إلى رميش ودبل وعين إبل. هناك، لم يكتفِ بالزيارة الرمزية، بقدر ما حرص على أن يبعث برسالة واضحة إلى الأهالي مفادها بأنّهم ليسوا وحدهم، وبأنّ الفاتيكان يقف إلى جانبهم في صمودهم وثباتهم في أرضهم. وقد ترك حضوره أثرًا بالغًا في نفوس السكان، إذ منحهم جرعة أمل وإيجابيّة، وشجّعهم على التمسّك بأرضهم أكثر فأكثر، بعدما شعروا أنّهم ليسوا متروكين لمصير مجهول.
 
 بكركي خارج التغطية

 
 أهالي القليعة ورميش ودبل وعين إبل وبرج الملوك وسائر القرى المسيحيّة في الجنوب لا يطلبون "كراتين" إعاشة ولا مساعدات ماليّة بقدر ما يحتاجون إلى كتف يستندون إليه في محنتهم. هذا الكتف وجدوه في السفير البابوي، في وقت بدت فيه بكركي خارج التغطية وخارج السمع. بل إنّ غياب البطريرك مار بشارة بطرس الراعي عن مأتم الأب بيار الراعي أثار تساؤلات عدّة في أوساط الأهالي، خصوصًا أنّ كثيرين كانوا يتوقّعون حضوره شخصيًا في هذه اللحظة المفصليّة، حتّى ذهب البعض إلى حدّ التساؤل عمّا إذا كانت زيارة القصر الجمهوري قبل أشهر أكثر أهميّة من الوقوف إلى جانب أبناء هذه القرى في محنتهم، في وقت بدا فيه أنّ الراعي يفضّل التزام بـ"الحياد السلبي" والابتعاد عن المشهد.
 
 تابعت "كافيين دوت برس" هذا الملف منذ مساء الثاني من آذار، أي منذ استئناف الضربات والقصف، وبادرت منذ يومين إلى التواصل مع عدد من المرجعيات الكنسيّة المارونيّة والكاثوليكيّة الرفيعة المستوى، غير أنّ جميع هذه المحاولات قوبلت بعدم التجاوب. بل إنّ أحد المراجع الكاثوليكيّة اعتبر أنّ التوقيت الراهن غير ملائم لإثارة هذا الملف في وسائل الإعلام!

 

وفي موازاة ذلك، تبيّن أنّ أهالي بلدة القليعة كانوا قد توجّهوا بطلب إلى رئيس أساقفة أبرشيّة صور المارونية، المطران شربل عبدالله، للانتقال إلى البلدة والإقامة فيها ضمن مكان آمن، في خطوة رمزيّة ومعنويّة يُفترض أن تعزّز صمود الأهالي وتشدّ من أزرهم في ظل الظروف الصعبة، غير أنّ هذا الطلب لم يلق أي استجابة. 
 ولم يقتصر عدم التجاوب على الكنيسة وحدها. فحزب "الكتائب"، الذي لم يتأخّر عن الظهور على بعض المنابر الإعلاميّة متصدّرًا الحديث عن أوضاع المسيحيين في هذه القرى، آثر بدوره عدم التجاوب معنا عندما تعلّق الأمر بالتواصل المباشر والاستيضاح. فقد قوبلت محاولات الاتصال بعدد من مسؤوليه ونوابه بالصمت، في مفارقة واضحة بين استغلال الحدث والاستعداد للإجابة. في المقابل، أبدى كلّ من "القوات اللبنانيّة" و"التيّار الوطني الحرّ" استعداداً للتجاوب.
 ايوب: اتصالات لمعراب مع الجيش

وفي هذا الإطار، أكّدت عضو تكتّل "الجمهوريّة القويّة"، النائب غادة أيوب، لـ" كافيين دوت برس" أنّ "القوّات" تقف إلى جانب الأهالي في مختلف احتياجاتهم من أجل تثبيتهم في أرضهم، معتبرةً أنّ القرار الأهم اليوم هو بقاء أبناء هذه القرى في بلداتهم، مشيرةً إلى أنّ أبناء هذه القرى هم أناس مسالمون ودعاة سلام، لم يختاروا الحرب، ولم يشاركوا فيها، ولا حتى دعموها.
 
  وأوضحت أنّ معراب  تواصل اتصالاتها الدائمة مع الجيش اللبناني والقوى الأمنيّة بهدف ضمان حضورهم في المنطقة، وتعزيز عمليات التفتيش والرقابة لمنع أي تسلّل لمقاتلين من "حزب الله" إلى هذه القرى، الأمر الذي قد يعرّضها لخطر الاستهداف والقصف.
 
 كما شدّدت أيوب على أنّ زيارتها إلى القليعة جاءت بمثابة رسالة دعم وصمود، خصوصًا بعد مقتل الأب بيار الراعي الذي كان يشكّل بالنسبة إلى الأهالي صمّام أمان وشخصيّة معنويّة تمنحهم الدافع للبقاء"، معتبرةً أنّ رسالتها للأهالي كانت واضحة "أنتم لستم وحدكم، فكل لبنان يقف إلى جانبكم، وكذلك الكنيسة والأحزاب والدولة، لكن الأهم هو أن يبقوا متجذّرين في أرضهم. وفي الوقت نفسه طالبت المعنيين بضرورة حماية الأهالي من أي استهداف أو مخططات قد تهدف إلى تهجيرهم وإفراغ هذه البلدات من سكانها.
 
 ولفتت إلى أنّ السفير البابوي، منذ يوم تشييع الأب الراعي، بقي في الجنوب وواصل جولاته على مختلف القرى، كما نجح في تأمين مساعدات عبر عدد من الجمعيات. وفي المقابل ناشدت البطريركية المارونية بتعزيز التنسيق والتواصل المباشر مع هذه القرى، تفاديًا لتكرار ما حصل في بلدة علما الشعب من عمليات إخلاء للسكان.
 
 اختتمت أيوّب حديثها بالإشارة إلى الجهود المستمرّة على أكثر من جبهة لدعم هذه القرى، موضحةً أنّ وزير الطاقة والمياه، جو صدّي، يسعى لتأمين الكهرباء للبلدات لضمان إبقائها مضاءة وقادرة على الصمود، بينما يقوم وزير الخارجية، يوسف رجّي، بإجراء اتصالات مع الفاتيكان والسفارة الأميركيّة بهدف تحييد هذه المناطق وضمان أكبر قدر ممكن من الأمان لسكانها.

 

وأشارت إلى أنّ "القوّات" تتحرّك على مستويين متوازيين، حزبي وحكومي، مستفيدين من وجود ممثلين لهم في الحكومة، وذلك لتخفيف الأعباء عن الأهالي ودعمهم عمليًا. ومع ذلك، أكدت أنّ صرخة السكان لا تزال واضحة وجليّة "لا نريد طعامًا ولا شرابًا، كل ما نريده أن يبقى الجيش اللبناني إلى جانبنا، وأن نشعر بأنّنا محاطون ولسنا متروكين وحدنا".
 التيار: باسيل يجري اتصالات
 على خط مواز، أكّد نائب رئيس "التيّار الوطني الحرّ"، للشؤون الإداريّة غسان خوري، لـ" كافيين دوت برس" أنّ الحرب الدائرة حاليًا لا تستثني أحدًا، وأنّ "التيار" يعمل بوضوح على المسار السياسي لمعالجة تداعياتها، مشيراً إلى أنّ رئيس "التيّار" النائب جبران باسيل ذهب بعيدًا في هذا الملف، من خلال إجراء اتصالات مع دول عربيّة والولايات المتحدّة الأميركيّة ودول أوروبيّة بهدف الدفع نحو وقف الحرب ومنع توسّعها. 
 
 وأضاف أنّ هذه الاتصالات تهدف أيضًا إلى تجنّب فتح جبهات جديدة، خصوصًا من الجانب السوري، والعمل على مقاربة تهدّئ الوضع الداخلي وتمنع تفاقم الاحتقان في الداخل اللبناني. أمّا على مستوى المساعدات، فشدّد خوري على أنّ كوادر "التيّار" يعملون بتنسيق يومي مع المناطق.
 
 ولفت خوري إلى أنّ "التيار" شكّل خليّة أزمة تقوم بتنسيق يومي مع رؤساء البلديات والأجهزة الأمنيّة، إضافةً إلى التواصل مع شخصيّات قادرة على تقديم دعم مالي بهدف توسيع نطاق المساعدات، معتبراً أنّ تصريح وزيرة الشؤون الاجتماعيّة حنين السيد حول وجود مليونين وثلاثمئة ألف شخص متأثرين مباشرة بالنزوح يكشف حجم الكارثة المرتقبة وتداعياتها.
 
 إنّها ساعة الحقيقة لكل من يدّعي الحماية أو الوقوف إلى جانب شعبه، فالدولة والكنيسة والأحزاب يقفون اليوم أمام اختبار علنيّ لا يمكن التهرّب منه، لمعرفة من الحاضنون حقًّا، ومن المتفرجون الذين يكتفون بالمراقبة الصامتة. الصمت في هذه اللحظة ليس غيابًا عابرًا، بقدر ما هو خيانة مكتملة الأركان، وسكين مسموم يُغرس في جذور الأهالي ويقطع صلتهم بأرضهم، تلك الأرض التي صمدت قرونًا ولم تُخلق لتُترك وحيدة، ولن تسمح بأن يُهجر أبناؤها تحت وطأة اللامبالاة والتقاعس. وإذا لم تتحرّك القوى المسؤولة فورًا، فليعلم الجميع أنّ التاريخ سيخلّد هذه اللحظة بوصفها لحظة سقوط الضمير، ولحظة بدأت فيها قرى كاملة تُسلب من أهلها بلا قتال، وبلا صراخ، وبلا رحمة.

 

اقرأ المزيد من كتابات كارين القسيس