الدقائق الأولى كادت تُجهض "روما 2": معركة الشروط المسبقة تشلّ مسار المحادثات

الدقائق الأولى كادت تُجهض "روما 2": معركة الشروط المسبقة تشلّ مسار المحادثات

انتهى اليوم الأوّل من المحادثات اللبنانيّة – الإسرائيليّة التي استضافتها العاصمة الإيطاليّة ضمن الجولة الثانية، المعروفة بـ"روما 2"، على وقع أجواء شديدة التعقيد، بعدما كادت الجلسة أن تُجهض في مستهلّها، على وقع تباعد حادّ في المواقف بين الجانبين. ووفقًا لمصادر أميركيّة متابعة، فإنّ المفاوضات اصطدمت منذ بدايتها بسقف مرتفع من الخلافات، حتى إنها لامست فعليًا حافة الانسداد، في وقت بدا فيه أنّ الزخم الذي طبع الضغوط الأميركية في الجولات السابقة قد تراجع في صورة ملحوظة، رغم الجهود التي بذلها الرئيس الأميركي دونالد ترامب لدفع هذا المسار نحو مرحلة التنفيذ.
وبحسب المصادر، فإنّ جوهر الخلاف بقي متمحورًا حول الأولويات التي يتمسك بها كل طرف. فالوفد اللبناني شدّد منذ اللحظة الأولى على أنّ المدخل لأي تفاهم يكمن في الانسحاب الإسرائيلي الكامل من الأراضي اللبنانية والالتزام الصارم بوقف إطلاق النار، فيما رفض الجانب الإسرائيلي هذا الطرح في صورة قاطعة، متمسكًا بموقف يعتبر أن أي انسحاب لا يمكن أن يسبق معالجة ما يصفه بالتهديد الأمني الذي يمثله "حزب الله"، وأن ملف نزع سلاحه يبقى الأولوية المطلقة بالنسبة إلى تل أبيب وواشنطن.
واستُهلت الاجتماعات بعرض لبناني تناول التطورات الميدانيّة في الجنوب والانتهاكات المستمرة لاتفاق وقف إطلاق النار، إلاّ أنّ الرد الإسرائيلي جاء حاسمًا، إذ أكدّالوفد الإسرائيلي تمسّكه بما اعتبره حقًا في مواصلة استهداف وتدمير البنية العسكرية التابعة لـ"حزب الله"، انطلاقاً من قناعته بأن الهدف الأساسي الذي دخل من أجله مسار التفاوض يتمثل في تفكيك القدرات العسكرية للحزب وتجريده من أسلحته بالكامل. كذلك حمّل الدولة اللبنانيّة مسؤوليّة الواقع القائم، معتبراً أنها كانت على علم بتوسع نفوذ "الحزب" خلال السنوات الماضية ولم تتخذ الإجراءات الكفيلة بردعه. 
هذا التباين انعكس في صورة أكثر حدّة داخل الاجتماع العسكري الذي جمع ستة ضباط من الجانبين، حيث سادت أجواء مشحونة اتسمت بسجالات حادة، بعدما أصرّ الوفد اللبناني على وضع جدول زمني واضح وملزم للانسحاب الإسرائيلي الكامل من الأراضي الجنوبية، مقرونًا بوقف جميع الخروقات. في حين رفض الجانب الإسرائيلي أي التزام زمني، وتمسّك بالإبقاء على قواته في عدد من المواقع بذريعة استمرار وجود مخازن ومنشآت عسكرية تابعة لـ"حزب الله". وبعد الاجتماع العسكري، انعقد اجتماع سياسي- حدودي منفصل شارك فيه السفير سيمون كرم، والسفيرة اللبنانية لدى واشنطن ندى حمادة، والعميد زياد هيكل، والمحامي أنطوان صفير، والخبير نجيب مسيحي، إلى جانب العميد جهاد الخازن والعقيد شاكر الحاج، حيث استُكملت مناقشة الجوانب السياسيّة والتنفيذيّة للمفاوضات. 

وعلى مستوى آليات التنفيذ، أخفقت الجولة في حسم واحدة من أكثر النقاط حساسيّة، والمتمثلة في تحديد هوية الجهة الثالثة التي ستتولى مراقبة تنفيذ أي تفاهم محتمل، كذلك برز خلاف إضافي حول ما يُعرف بـ"المناطق التجريبية" التي يُفترض اعتمادها كنموذج أولي لتطبيق الاتفاق. وأوضحت المصادر أنّ النقاش في شأن بلدة زوطر الغربيّة كشف تباينًا واضحًا في تحديد حدودها العقارية وآليات التعامل معها، الأمر الذي حال دون بلورة تصوّر تنفيذيّ موّحد، وانعكس ميدانيًا من خلال تسجيل إطلاق نار في البلدة، رغم أنّ هذا الملف كان قد طُرح في الجولات السابقة. 

وفي ما يتعلّق بالملفات المطروحة على طاولة الاجتماع الحدودي، فقد استُكمل البحث انطلاقًا من النقاط التي انتهت إليها الجولة السابقة في شأن الحدود البرية والبحرية، على أن تتواصل المناقشات حتّى يوم الخميس. كذلك حمل الوفد اللبناني ملف إعادة الإعمار باعتباره أولوية وطنية، إلاّ أنّ الجانب الأميركي أبلغ في صورة واضحة أن أي نقاش في إعادة الإعمار أو في عودة النازحين إلى قراهم سيبقى مؤجلًا إلى حين التوصل إلى معالجة نهائية لملف سلاح "حزب الله"، في مؤشر واضح إلى تمسك إسرائيل بربط مختلف الملفات السياسية والاقتصادية بالاعتبارات الأمنية. 
وفي موازاة مسار المحادثات، تكثفت الحركة الديبلوماسيّة الأميركيّة المحليّة، في محاولة لاحتواء التباينات ومنع انزلاق المباحثات نحو مزيد من التعقيد. اذ برز دور السفير الأميركي لدى لبنان، ميشال عيسى، الذي أجرى عشية انطلاق المحادثات سلسلة اتصالات مكثفة هدفت إلى تضييق هوة الخلاف بين الأطراف المعنية وتوفير الحد الأدنى من المقومات السياسية الكفيلة باستمرار المسار التفاوضي ، وكذلك اطلع رئيس مجلس النواب نبيه بري، على الموقف الأميركي الواضح قبل انطلاق جولة "روما 2"، في إطار جهود البيت الأبيض الرامية إلى إبقاء قنوات التفاوض مفتوحة والحؤول دون تعثرها، رغم تعقيدات الملفات المطروحة وتشابكها، وعمق التباينات التي لا تزال تحول دون إحداث أي اختراق جوهري في هذا المسار.

اقرأ المزيد من كتابات كارين القسيس