الاستقرار في لبنان ليس اولويّة
لا يبدو المشهد الاقليمي مريحًا، من سوريا التي تتخبط في مستقبل مجهول، الى العراق حيث تتنازع التأثيرات الاقليمية الساحة، الى مصر ومشكلاتها الافريقية والاقتصادية الحادة، وطبعا الى دول الخليج وايران التي تقع تحت وطأة الحرب المتبادلة بين ايران والولايات المتحدة. واضيف الى المشهد اياه، دخول اليمن مجددًا على خط الحرب، فاصبح الشرق الاوسط عالقًا بين باب المندب ومضيق هرمز.
كلّ هذا المشهد الذي اصبح خلال الاشهر الاخيرة اكثر تعقيدًا من ذي قبل، يترك تأثيراته المباشرة على لبنان. يصبح لبنان اولوية لدى الاطراف المتصارعين في المنطقة حين تصبح الحاجة اليه ملحّة لاستخدامه ساحة عنف وتبادل رسائل دموية. اما حين يحتاج الى الاستقرار والسلام، فانه لا يشكّل اولوية لدى ايّ من هذه الاطراف، التي تضعه في آخر جدول اعمالها.
اليوم هذه هي حال لبنان، باختصار سياسيّ، لان الفوضى التي تجد طريقها الى لبنان تكون في كثير من الاحيان حاجة اقليمية. اما السلام فدونه عقبات كثيرة، تظهر في مقاربة هذه الدول لما يحصل لديها حاليًا من مشكلات صعبة. من هنا فان لا توقعات خارجية او داخلية بحسب دوائر مطلعّة، بان يكون مسار الاستقرار سريعًا. لا بل ان المتوّقع ان تطول المفاوضات اشهرًا قبل بلورة اي حلّ لاعادة لبنان الى سكّة السلام.
حتى الان تشكّل المفاوضات الورقة التي تحارب بها واشنطن ايران فلا تتركها في يدها ، لذا تستكمل المفاوضات بخطوات بطيئة ومن دون استعجال، ولا ينتظر ان تتبلور سريعًا آفاق الحلول، ما دامت مشكلات المنطقة عالقة، والتصعيد مع ايران مستمر بوتيرة سريعة ومدروسة. ولولا ايران واشتراطها ان يكون لبنان ورقة في يدها وربطها وقف النار في المنطقة بوقف النار في لبنان، لما كان مسار الحرب في لبنان والمفاوضات اخذ طريقه نحو واشنطن.
من هنا تكمن قدرة لبنان على التكيّف مع التصعيد الاقليمي، ومع احتمالات ان تطول عملية التفاوض اشهرًا من دون خطوات عملية تساهم في ايجاد حلّ شامل للوضع الجنوبي وعودة النازحين والاعمار واطلاق الاسرى. لا بل ان على طريق التفاوض، لا تزال المخاوف قائمة من ان يكون الكلام عن تجدد الحرب في لبنان، ربطًا بتطورات المنطقة، كلامًا جديًا، وليس مجرد تهويل. عدا عن النوايا الاسرائيلية باحتمالات الذهاب الى تصعيد من منطلق آخر يتعلق بالقرى المسيحية في الجنوب ومصيرها المعلّق، وهذا من شأنه ان ينقل الوضع اللبناني الى مرحلة أخرى من التحديّات.