اختراق تفاوضي برعاية أميركيّة: توقيع اتفاق اطار • روبيو وعيسى أدّيا دورًا حاسمًا في أخطر لحظات المسار

اختراق تفاوضي برعاية أميركيّة: توقيع اتفاق اطار • روبيو وعيسى أدّيا دورًا حاسمًا في أخطر لحظات المسار

شهدت الجولة الخامسة من المحادثات منعطفًا سياسيًا بارزًا، تُوّج بتوقيع اتفاق إعلان نوايا بين لبنان وإسرائيل، ما اصطلح على تسميته اتفاق اطار، بعدما أصرّت الإدارة الأميركيّة، في اليوم الختامي للمفاوضات، على منح الوفد اللبناني فرصة إضافيّة لاستنفاد جميع إمكانات التفاوض والتوصل إلى تفاهمات تُشكّل أرضية لنتائج إيجابية، الأمر الذي تُرجم بقرار تمديد المحادثات ليوم إضافي حتى الجمعة. وعكس هذا القرار حجم الرهان الأميركي على إنجاح المسار التفاوضي ومنع انهياره في مراحله الأخيرة.

وفي موازاة ذلك، برزت مشاركة وزير الخارجية الأميركي، ماركو روبيو، في الجلسة الختامية باعتبارها مؤشرًا واضحًا على انتقال واشنطن إلى مستوى أعلى من الانخراط السياسي والديبلوماسي في إدارة المفاوضات، بحيث لم تقتصر مشاركته على الحضور البروتوكولي، إنّما جاءت في إطار مسعى أميركي مباشر لتهيئة مناخ تفاوضي أكثر إيجابية، وتقريب وجهات النظر بين الأطراف، والدفع نحو بلورة تفاهمات عملية يمكن أن تؤسس لمرحلة جديدة من المسار التفاوضي.

وبحسب مصادر أميركيّة لـ "كافيين دوت برس"، فقد سبق مشاركة روبيو في الاجتماع الختامي حراك ديبلوماسي مكثف قاده شخصيًا، إذ أجرى مساء الخميس، بتوقيت واشنطن، سلسلة اتصالات  شملت رئيس الحكومة الإسرائيليّة بنيامين نتنياهو ورئيس الجمهورية اللبنانية جوزف عون. ووفق المصادر، جاءت هذه الاتصالات في إطار مسعى أميركي مباشر لتقليص هوة التباينات بين الجانبين، وتهيئة المناخ السياسي أمام إحداث اختراق نوعي خلال اليوم الرابع من المفاوضات، بما يمهّد لبلورة تفاهمات أولية قابلة للتطوير في المراحل اللاحقة، ويعزز فرص انتقال المحادثات من مرحلة إدارة الخلافات إلى مرحلة إنتاج التفاهمات.

 

وأكدت المصادر أنّ اليوم الرابع من المحادثات أسفر عن التوصل إلى تفاهم أولي بشأن "إعلان نيات"، بما شكّل خطوة تأسيسيّة على طريق الانتقال إلى مرحلة أكثر تقدمًا من المسار التفاوضي. ووفقًا للمصادر، ارتكز هذا التفاهم على توافق بين الوفدين اللبناني والإسرائيلي حول أولوية العمل على إنهاء جميع مظاهر النفوذ الإيراني داخل لبنان، باعتبار هذا الملف يشكّل، من وجهة نظر الأطراف المنخرطة في المحادثات، حجر الأساس لأي ترتيبات سياسية وأمنية يُمكن البناء عليها خلال المرحلة المقبلة.

 

وأضافت المصادر أن التفاهم يتضمن انسحابًا إسرائيليًا من منطقتين وُصفتا بـ"التجريبيتين"، على أن تتولى وحدات من الجيش اللبناني الانتشار فيهما، في إطار مقاربة ميدانيّة تُختبر من خلالها قدرة الدولة اللبنانيّة على بسط سلطتها الأمنيّة والعسكريّة بشكل فعلي. وفي المقابل، وبحسب المصادر نفسها، نصّ الاتفاق على منح إسرائيل هامشًا من حرية التحرّك والرد على أي تهديد تعتبره موجهًا لأمنها، مع احتفاظها بحق تقييم نتائج هذه التجربة الميدانية، وقياس مدى نجاحها أو تعثرها، بما يحدد إمكانية البناء عليها أو توسيع نطاقها في مراحل لاحقة من المسار التفاهمي.

في سياق متصل، شددت المصادر الأميركية على أنّ  واشنطن تواصل تأكيد دعمها للمؤسسات الشرعية في لبنان، مجددةً استعدادها لمواكبة الدولة اللبنانية في مسار ترسيخ سلطتها وتعزيز قدراتها على المستويات كافة، ونافيةً بشكل قاطع ما يتم تداوله بشأن وجود أي التزامات أو تعهدات أميركية بتمويل عمليات إعادة إعمار المناطق المتضررة، معتبرةً أنّ هذه الأنباء لا تستند إلى أي وقائع دقيقة أو ترتيبات قائمة.

وأوضحت أنّ المقاربة الأميركية في هذا الملف لا تزال ثابتة، إذ ترى أن أي مسار يتعلق بإعادة الإعمار أو إطلاق برامج دعم مالي واسع النطاق يظل مشروطًا بمعالجة ملف سلاح "حزب الله"، باعتباره، وفق الرؤية الأميركية، المدخل الجوهري لأي استقرار مستدام وأي انخراط دولي فعّال في جهود إعادة البناء والدعم الاقتصادي.

كذلك أكدت المصادر أن اللوبي اللبناني في الولايات المتحدة يواصل تحركاته السياسية المكثفة على أكثر من مستوى، في مسعى لدعم أي مبادرة من شأنها إخراج لبنان من دائرة الاستنزاف والصراع المستمر، وفتح الطريق أمام إنهاء حالة المواجهة العسكرية القائمة، مستشهدةً بالسفير الأميركي لدى لبنان، ميشال عيسى، الذي يواصل بذل جهوده الديبلوماسيّة عبر سلسلة اتصالات ومشاورات تهدف إلى تهيئة الظروف الملائمة لإنجاح أي مسار تفاوضي يمكن أن يفضي إلى اتفاق سلام أو إلى ترتيبات أمنية مستقرة بين لبنان وإسرائيل، بما يرسّخ مناخًا من التهدئة ويؤسس لمرحلة أكثر استقرارًا في المنطقة.

وختمت المصادر حديثها بالإشارة إلى أنّ الجولات الخمس المتتالية جاءت نتيجة اقتناع دولي بأن الدولة اللبنانية، بإمكاناتها السياسية والعسكرية الحالية، لم تتمكن بمفردها من وضع حد للخروقات الأمنيّة المرتبطة بـ"حزب الله"، الأمر الذي استدعى تدخلاً أميركيًا مباشرًا وحاسمًا لدفع العمليّة التفاوضيّة إلى الأمام.

اقرأ المزيد من كتابات كارين القسيس