ابعاد زيارة الشيباني الى طرابلس بين العاطفة والسياسة ورسائل الطمأنة
الشيباني في طرابلس ( الوكالة الوطنية)
شكّلت زيارة وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إلى طرابلس حدثاً استثنائيا في الحياة السياسية لما لـ"طرابلس الشام" من رمزية للسوريين يضاف لها الحفاوة الشعبية التي رافقتها.
فقد أثارت مشاهد استقبال الشيباني عند مدخل طرابلس وامام دار الفتوى نقاشاً واسعاً بين من رأى فيها تعبيرًا عن مشاعر فرح طبيعية تراكمت في قلوب الطرابلسيين على مدى سنوات، ومن اعتبرها استفزازية او اقلّه مبالغًا فيها ولا تنسجم مع طبيعة الزيارة الرسمية التي أرادتها دمشق.
ورغم ان التحضيرات التي سبقت الزيارة كشفت أن الجانب السوري حرص على إعطائها طابعًا رسميًا يظهر أن سوريا الجديدة تريد التعامل مع لبنان من خلال مؤسساته، وهي على مسافة واحدة من جميع مكوّناته، وما يعنيها هو دعم الدولة اللبنانية لا الدخول في وحول الاصطفافات الداخلية. لكن مزاج الشارع في طرابلس كان له رأي آخر، تحكمت فيه كالعادة العاطفة أكثر من الواقعية.
ومردّ ذلك الى ان أبناء احياء طرابلس الشعبية وقفوا منذ اندلاع الثورة في سوريا إلى جانب الشعب السوري، وقدّموا في سبيل نصرتهم الكثير من التضحيات، وسقط لهم الشهداء وبالنسبة الى هؤلاء، لم يكن الاستقبال موجهًا لشخص الوزير بقدر ما كان تعبيرًا عن فرحتهم بانتهاء مرحلة طويلة من العذاب، وسرورهم لان التضحيات التي قدّموها لم تذهب سدى، ومن حقهم اليوم هؤلاء أن يعبروا عن شعورهم بالنصر بالطريقة التي يريدونها.
بالمقابل ثمة شريحة أخرى رأت في انتصار الثورة السورية انتصاراً لها وان كان معنويا.فهذه الشريحة كانت مستهدفة لسنوات بسبب مواقفها الداعمة للثورة وكانت تعاني من ملاحقات الاجهزة الأمنية ومن تركيب الملفات لها، ومن التوقيفات من دون محاكمات لمجرد رأي او موقف دعمت فيه الثورة السورية وجاء نزولها إلى الشارع كتنفيس عن مشاعر غضب وفرحة اكثر من كونه موقفًا سياسيا من الزيارة.
اما الفئة الثالثة وهي شريحة اعتادت على التكيّف مع موازين القوى المتغيرة، فحاولت الظهور في المشهد أملاً في حجز موقع لها في التركيبة الجديدة لحفظ مصالحها. وهذه الحالة ليست جديدة في الحياة السياسية اللبنانية.
وفي قراءة متأنية لمشاهد الاستقبال لا بد من التذكير بحقيقة تاريخية لطالما تم تجاهلها.
فطرابلس التي عرفت بـ"طرابلس الشام"، والتي تميّزت بروابطها الاجتماعية والعائلية مع سوريا، أثبتت في أكثر من محطة مفصليّة تمسكها بالدولة اللبنانية وبالكيان اللبناني.وهي كانت من أبرز المدن التي نزل أبناؤها إلى ساحة الشهداء في بيروت رافعين شعار "لبنان أولاً" عقب اغتيال الرئيس رفيق الحريري. وهي شكّلت بيئة حاضنة للجيش والقوى الامنية خلال معارك فتح الإسلام في احيائها وفي مخيم نهر البارد. كذلك فان استهداف المئات من شباب المدينة بوثائق الاتصال غير القانونية والملاحقات والتوقيفات وفبركة الملفات لم تدفع اهل طرابلس للوقوف في وجه الدولة أو مواجهة مؤسساتها، بل تتمسّك اكثر بفكرة الدولة، رغم الفقر والظلم والحرمان والتهميش الذي تعرضت له.
وهذا يعني ان ولاء ابناء طرابلس للبنان وليس للشام. ورغم ان المدينة تنتمي إلى فضائها العربي، وترى في سوريا امتدادًا طبيعيًا لهذا الفضاء، لكنها في الوقت نفسه تتمسك بالكيان اللبناني وترى ان مستقبلها يرتبط بالدولة اللبنانية وبسيادتها واستقرارها.
من هذا المنطلق تكتسب الرسائل التي حملتها الزيارة أهمية خاصة. اذ حرص الجانب السوري ان يضمّ اللقاء في دار الفتوى، شخصيات اقتصادية إلى جانب السياسيين، في إشارة إلى أن دمشق تريد فتح صفحة جديدة عنوانها التعاون بين الدولتين، لا إعادة إنتاج العلاقات التي تجاوزها الزمن. اضافة الى ان الوزير الشيباني طمأن الحضور خلال اللقاء مؤكدًا أن سوريا لا تريد التدخل في الشؤون الداخلية اللبنانية، وأنها تتطلع إلى التعاون مع الدولة.
واللافت ان أحد المشاركين في اللقاء خلال حديثه عن عمق العلاقات اللبنانية السورية، كرر تسمية "طرابلس الشام". اكثر من 3 مرات، فجاء الرد من الوزير السابق أشرف ريفي خلال خلال كلامه ليشير بوضوح أن "طرابلس هي طرابلس لبنان"، وأن المدينة تريد أفضل العلاقات مع سوريا، انطلاقا من المصالحه المشتركة بينهما، وان هذا اللقاء الذي ضمّ مسيحيين ومسلمين، يعكس هوية طرابلس الحقيقية، وفي ذلك رسالة للداخل اللبناني الذي بالغ في تخوفه من زيارة الشيباني.
يبقى ان الرسالة الأهم التي خرجت بها الزيارة هي ان طرابلس لا تبحث عن وصاية جديدة، ولا تسعى الى الاستقواء بالحكم الجديد في سوريا على شركائها في البلد بل تريد الدولة مرجعًا لكل اللبنانيين وتريد افضل العلاقات مع سوريا الجديدة.ورغم العاطفة التي طغت على مشاهد الاستقبال، يبقى الثابت ان هوّية المدينة لبنانية وان قناعات اهلها بتمسّكهم بوطنهم لا تتغير وهم أثبتوا في كل المحطات المفصلية من تاريخنا الحديث تمسّكهم بلبنان ككيان نهائي لكل ابنائه.