جيل الشباب يقرأ.. طرابلس تعيد إنتاج دورها الثقافيّ
تعدّ طرابلس من أهم المدن اللبنانية التي تحمل إرثًا ثقافيًا وحضاريًا عريقًا، حيث اشتهرت عبر تاريخها بمدارسها وعلمائها ومساجدها التاريخية، وحراكها الفكري والأدبي. وفي حقب مختلفة شكلت مركزاً للعلم والثقافة والمعرفة حتى أنها حملت لقب "مدينة العلم والعلماء" أيام حكم أسرة بني عمار. ورغم الظروف التي شهدتها البلاد خلال السنوات الأخيرة، لا تزال عاصمة الشمال تحافظ على حضور ثقافيّ مهمّ من خلال الأنشطة الأدبية والأمسيات الشعرية والندوات الفكرية، ومعرض سنوي منتظم للكتاب، إضافة إلى مبادرات شبابية تسعى لإحياء الحركة الثقافية.
ومع ذلك ثمة نظرة سلبية تؤطر النتاج الأدبي والإرث المعرفي والثقافي ترسخت في الوعي الجمعي بالاستناد إلى دراسات ومؤشرات تبين بوجود هجرة جماعية للقراءة والمكتبات والكتب في لبنان والعالم العربي، ولا سيما عند جيل الشبان، مع نمو سيطرة الهواتف الذكية والأجهزة اللوحية ومنصات وتطبيقات التواصل الاجتماعي على دقائق الحياة، وفي جميع النواحي. لكن الواقع في طرابلس لا يبدو مطابقًا لهذه النظرة الانطباعية الشاملة.
مكتبة السائح
اشتهرت طرابلس خلال التاريخ المعاصر بكثرة عدد مكاتبها في دلالة على مناخ ثقافي وأدبي وفكري كان سائداً منذ قيام الدولة اللبنانية حتى اندلاع الحرب الأهلية الأليمة. ليصبح المنحنى بعدها في حالة انخفاض مستمر نتيجة تضافر عدة عوامل. واحدة من أبرز هذه المكتبات هي مكتبة السائح التي تأسست عام 1970 على يد الأب إبراهيم سروج في شارع يحمل اسمًا ذي دلالات واضحة "شارع المكتبات" في المدينة التاريخية.
يقرّ الأب سروج في حديث لموقع "كافيين دوت برس" بتراجع القراءة في عصر السرعة والتطور الحضاري القائم على السرعة "fast food" رغم أن الهواتف الذكية تتابع أعمال القراءة والأدب ولكنها تكتسي بطابع قراءات سريعة لا هموم ثقافية أو فكرية عندها، على حساب القراءة المتأنية التي تنشر الفهم". ومع ذلك يبيّن سروج وجود طلب على الإنتاج الثقافي، وأن "رواد المكتبة هم من مختلف الأعمار والمستويات العلمية، فهناك من يطلب مجلات معينة، وأساتذة فلسفة يطلبون كتب سارتر، وآخرين يطلبون روايات آغاتا كريستي، بالإضافة إلى الطلب على الكتب الدينية".
ويتوقف سروج عند نقطة مهمة تنتشر في الأوساط الإعلامية والمجتمعية حول إقبال أصحاب المكتبات في بيروت على شراء الكتب من مكتبات طرابلس بسبب انخفاض أسعارها، فيقول "صحيح أن أسعار الكتب في طرابلس أرخص من العاصمة، وأنه أحيانًا يطلب بعض أصحاب المكتبات في بيروت كتباً منا ومن مكتبات طرابلس، بالإضافة إلى المنتشرين، إلا أنه أكثرية المكتبات الطرابلسية هي من تشتري من بيروت". كذلك يشير إلى تراجع عدد المكتبات في طرابلس لأسباب لا ترتبط بالأسعار أو بانخفاض معدلات القراءة فقط، حيث يعتبر أن واحدة من التحديات البارزة هي أن أكثرية المدارس صارت تبيع الكتب في دارها، فضلًا عن غياب الحوافز المقدمة من الحكومة لدور النشر والمكتبات، وغياب الدعم في طرابلس للفكر والثقافة.
ثورة ثقافية
يعتبر سروج أنه ثمة حاجة إلى ثورة ثقافية أكثر اتساعًا، تشمل إنشاء مكتبة عامة ومعارض وندوات ومسابقات في المدارس، بالإضافة إلى الإكثار من المسارح والمعارض المدرسية، وإقامة أكشاك في الأماكن العامة كتلك المنتشرة على ضفاف نهر السين في باريس. لكنه يؤكد بأن الكتاب الورقي لا يزال هو المفضل عند الغالبية العظمى، مع نمو الشكاوى من القراءة الضوئية.
في حين يؤكد رئيس الرابطة الثقافية في طرابلس الدكتور رامز الفري أن "الازمات الاقتصادية كان لها تأثير مباشر على مختلف المجالات، بما فيها المجال الثقافي، مع انخفاض الدعم المخصص للأنشطة والفعاليات. كذلك واجهت بعض المراكز والمكتبات صعوبات في الاستمرار أو تطوير خدماتها. ورغم هذه التحديات، لا تزال هناك جهود فردية وجماعية تسعى الى لحفاظ على النشاط الثقافي، بل وتعزيزه، من خلال مبادرات المجتمع المدني والمؤسسات التعليمية والشبابية".
لكن الفري يشدد على أن طرابلس "تمتلك عددًا كبيرًا من المكتبات التي تؤدي دورًا مهمًا في خدمة المجتمع، منها المكتبة العامة في الرابطة الثقافية في طرابلس، والتي تحوي أكثر من 85 ألف كتاب موزعين على مختلف المواضيع والعناوين، بالإضافة إلى مكتبة بلدية طرابلس، ومكتبة بلدية الميناء، والمكتبات الجامعية. إلا أن واقع هذه المكتبات يواجه تحديات، مثل محدودية الموارد، والحاجة إلى تحديث البنية التحتية والتجهيزات، فضلاً عن ضرورة مواكبة التحول الرقمي والتكنولوجي".
ويلفت الفري إلى تأثير تغير أنماط القراءة لدى جيل الشباب في عصر الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي، والذي أسهم في تراجع الإقبال على القراءة التقليدية. ويتفق الفري مع الأب سروج على ضرورة زيادة الدعم الرسمي والخاص للمؤسسات الثقافية والمكتبات العامة لتزويدها بالتقنيات الحديثة ومساعدتها على إنشاء برامج خاصة تستهدف جيل الشباب والأطفال لتحفيزهم على القراءة. بالإضافة إلى دعم وتشجيع الشراكات بين المؤسسات التعليمية والمكتبات والبلديات والجمعيات الثقافية. وينوه الفري بـ"الإقبال الكبير على معرض الكتاب السنوي في مؤشر إيجابي يبشر بالخير".
في المقابل، يبيّن حسن خالد صاحب مكتبة الشرق في طرابلس "اهتمام المدارس في المدينة بتحدي القراءة الذي ينظّم على المستوى العربي العام، وإلى فوز ثانوية الحدادين في المراتب الأولى في هذه الفعالية خلال تنظيمها في دولة الإمارات". كما يلفت إلى وجود أنشطة ومحاولات ذات طابع ثقافي تنهل من إرث المدينة التاريخي تحصل بعيداً عن الإعلام، يذكر منها "أرشفة سجلات المحكمة الشرعية ومكننتها لتصبح وثائق متاحة أمام الدارسين والباحثين كمرجع تاريخي، كذلك الجهود المبذولة لضبط مكتبة بلدية طرابلس من قبل القيمين عليها". لكنه يؤكد على "ضرورة بذل الجهود لضبط المخطوطات والمؤلفات الموجودة عند كبار العلماء في طرابلس الذين رحلوا عن دنيانا، بالإضافة إلى ضرورة تضافر الجهود بين البلديات والمؤسسات والجمعيات والجامعات لتعزيز النشاط الثقافي والأدبي والفكري الموجود في المدينة وتطويره.



