مطار القليعات: فرصة استراتيجية تشعل السوق العقاري
يختزن مطار رينيه معوض في القليعات بمحافظة عكار فرصًا استثمارية واعدة يمكنها تشكيل دورة اقتصادية كاملة ومتشابكة، تتيح تحريك الشرايين الإنمائية الهامدة في محافظة عانت من تهميش مزمن منذ قيام الدولة حتى صارت مضرب مثال في الحرمان. الأمر الذي يجعل مشروع هذا المطار يغدو أقرب إلى فرصة استراتيجية ثمينة.
هذه الفرصة كانت ضائعة ومغيّبة عن حسابات أهل الحكم في العقود السابقة لأسباب سياسية محضة. لكن حكومة الرئيس نواف سلام أدرجتها في بيانها الوزاري، حينما تعهدت بـ"الدفع نحو إعادة العمل وتفعيل هذا المرفق الحيوي". وقرنت هذا التعهد بالفعل العملاني خلال الأشهر الماضية عبر عدة خطوات حكومية، من إطلاق مزايدات ودراسات، مرورًا بالاتفاق مع "دار الهندسة" لإعداد مخطط توجيهي، إلى جانب الزيارات الميدانية التي أجراها رئيس الحكومة، وصولاً إلى إعلان وزارة الأشغال منذ أيام قليلة، تلزيم تشغيل المطار لشركة "سكاي لونج".
تنشيط الاقتصاد الشمالي
خلال السنوات الماضية كان تطوير وتشغيل مطار رينيه معوض موضع جدل ونقاش سياسيين، حيث برزت الحاجة إليه كمطار مدني ثانٍ على وقع الثورة السورية وسياقاتها المرتبطة بالاستفادة من عمليات إعادة الإعمار، عند حصولها، إلى جانب الهيمنة السياسية والأمنية لـ "حزب الله" على مطار رفيق الحريري، وعوامل أخرى ذات طابع تقني. إلا أن هذا الجدل بقي موضعيًا ولم يترجم بخطوات جدية على أرض الواقع لغياب القرار السياسي الحاسم. في تشرين الأول 2011، جرى تشكيل لجنة متابعة تشغيل مطار القليعات، إلا أن المشروع بقي مجرد إطار نظري يدغدغ أصوات الناخبين والوعي الجمعي للمناطق المحرومة في الشمال.
الا أنه غداة سقوط نظام الرئيس السوري بشار الأسد، وتشكيل سلطة جديدة في لبنان وفق معادلات تنسجم مع التحولات التي تمرّ بها المنطقة، عاد الحديث بقوة عن تشغيل مطار القليعات كحاجة إقليمية ودولية، ولا سيما مع إدراجه ضمن البيان الوزاري لحكومة سلام، الذي يسجل له متابعته الجدية وإصراره على المضي في الخطوات رغم بعض العراقيل المناطقية والتقنية.
يقول الخبير المالي علي الحسن وعضو اللجان المشتركة لمتابعة تشغيل مطار رينيه معوض بالقليعات في حديث لـ "كافيين دوت برس" ان المطار "يشكل فرصة استراتيجية لإعادة تنشيط الاقتصاد في شمال لبنان، ولا سيما في عكار والمناطق المجاورة. فإعادة تشغيله تساهم في جذب الاستثمارات، وخلق بيئة أكثر جاذبية للأعمال والمشاريع. كذلك ينعكس ذلك إيجابًا على سوق العقارات، حيث يتوقع ارتفاع الطلب على الأراضي والوحدات السكنية والتجارية".
يضيف الحسن "المطار يشجع على إقامة مشاريع سياحية وخدماتية تلبي حاجات المسافرين والمستثمرين، ويسهم في توفير فرص عمل مباشرة وغير مباشرة لأبناء المنطقة. اضافة الى أنه يعزّز حركة النقل والتجارة، ما يسهّل وصول المنتجات المحلية إلى الأسواق ومن شأنه أن يربط عكار في شكل أفضل بباقي المناطق اللبنانية والخارجية. ويشكّل حافزًا لتحسين البنية التحتية والخدمات العامة المحيطة به". وحسب الحسن فإن "هذه العوامل مجتمعة تؤدي إلى تنشيط الدورة الاقتصادية ورفع مستوى التنمية المحلية. لذلك يُنظر إلى مطار القليعات كرافعة تنموية واعدة قادرة على إحداث نقلة نوعية في المنطقة بأسرها".
مضاربات عقارية
يتميز مطار رينيه معوض بموقعه. فالقليعات هي بلدة ساحلية تقع ضمن سهل عكار، وثمة مساحات شاسعة يمكن الاستفادة منها وتوظيفها كفرصة استراتيجية كبرى، يجاورها بلدات: تل عباس غربي، تل عباس شرقي، الشيخ زناد، المقيطع، تل حياة. كما أن التهميش المزمن وندرة المشاريع الإنمائية بالمقارنة مع المراكز الحضرية الكبرى، أسهما في بقاء أسعار الأراضي والعقارات في جوار المطار منخفضة.
غير أن الأراضي المحيطة شهدت موجات ارتفاع في الأسعار كلما تجدد الحديث عن إعادة تشغيله واستقطاب استثمارات بين الحين والآخر. ثمة بعض الرهانات عمرها سنوات حرّكت بعض الاستثمارات مع تسويق فكرة تحول المنطقة إلى مركز لوجستي وتجاري للشمال اللبناني والداخل السوري، فأنتج نوعاً من الحراك الاستباقي لشراء أراضٍ تزامن مع حراك بعض الموفدين الدوليين.
وسبق أن تحدثت تقارير عن اهتمام بشراء أراضٍ ساحلية قرب المطار ضمن أفكار لا ترتبط بمشروع تشغيله، بل كذلك بإعادة تشغيل خط أنابيب "كركوك – بانياس – البداوي"، وكذلك إمكانية ترسيم الحدود البحرية بين لبنان وسوريا. ومع ذلك لا يمكن إغفال حصول بعض المضاربات العقارية التي لا تعبر عن طلب حقيقي بقدر ما هي ظاهرة تتكرر مع الحديث عن مشاريع كبرى. هذا وسجّل بعض الارتفاع في أسعار العقارات في تلك المنطقة عام 2019. إلا أنها عادت وتجددت بزخم أكبر في الآونة الأخيرة.
وفي السياق يذكر أن سعر متر الأراضي كان يتراوح من 7 إلى 20 دولاراً، ويتوقع أن يتجاوز سعر المتر 200 دولار بعد تلزيم تشغيل المطار. علما أن أكثر من 50 % من ملكيات الأراضي المحيطة بالمطار تعود لأشخاص من خارج الحزام الجغرافي المحيط قاموا بشرائها في أوقات سابقة للاستفادة من موقفها عند تشغيل المطار، بينهم رجال أعمال ومطورون عقاريون وبعض رجال السياسة.
بكافة الأحوال، وبمعزل عن أي ظاهرة تصاحب عادة المشاريع الكبرى في لبنان لا تخرج عن دائرة التقاليد، يبقى نجاح خطوة إعادة تشغيل مطار القليعات هو امتحان للحكم والحكومة ولأهالي عكار، يتمنى الجميع نجاح خطواته وانطلاقه بجدية ومسؤولية حتى نشهد على ولادة مطار رينيه معوض الدولي في القليعات – عكار.