عون في أنقرة: طموحات أردوغان وحسابات ترامب
الرئيس عون
في السياسة، لا مكان للصدف. فكل زيارة رسميّة تُقاس بما تحمله من رسائل، وبما يسبقها من تطورات وما يعقبها من نتائج. ومن هذا المنطلق، لا يمكن النظر إلى زيارة رئيس الجمهورية جوزف عون إلى أنقرة اليوم بوصفها محطة ديبلوماسيّة اعتياديّة، أو مجرّد امتداد لجولاته الخارجيّة، إنّما باعتبارها واحدة من أكثر الزيارات حساسيّة وأهميّة بعد زيارته إلى واشنطن. إذ إنّها تأتي في لحظة مفصليّة يشهد فيها الشرق الأوسط إعادة تشكيل لموازين القوى، وإعادة رسم لخرائط النفوذ، على وقع تحوّلات متسارعة تمتد من دمشق إلى بيروت، ومن غزة إلى شرق البحر المتوسط، بما يجعل هذه الزيارة جزءًا من مشهد إقليمي بالغ التعقيد، تتجاوز دلالاته حدود العلاقات الثنائية إلى رهانات جيوسياسيّة أوسع.
في العلاقات الدوليّة، نادرًا ما تتكرّر مثل هذه الزيارات المتقاربة، خصوصًا أنّ رئيس الحكومة نواف سلام كان قد زار، قبل أقل من أسبوعين، الرئيس التركي رجب طيب أردوغان. فأنقرة، التي تراقب التحولات الكبرى في المشرق العربي، تدرك أنّ لبنان يقف اليوم عند مفترق طرق تاريخي، وأنّ ما يُرسم على حدوده الجنوبيّة، وما يتشكل في دمشق، وما يُطبخ في العواصم المؤثرة، سيحدّد ملامح المنطقة خلال عقد كامل على الأقل. لذلك، تنظر إلى زيارة عون باعتبارها فرصة لقراءة موقع لبنان في الشرق الأوسط الجديد الذي يُعاد تشكيله، ولتثبيت حضورها في معادلة إقليميّة تتغير بوتيرة غير مسبوقة.
ارتفاع أسهم أنقرة بعد تراجع النفوذ الايراني
لم يعد الشرق الأوسط كما كان قبل عام واحد فقط، إذ أنّ التحوّلات التي شهدها خلال هذه الفترة لم تقتصر على تبدّل في المشهد العسكري، بقدر ما أطلقت مسارًا واسعًا لإعادة توزيع النفوذ ورسم موازين القوى. فطهران، التي كانت تُعدّ اللاعب الأكثر حضورًا في لبنان وسوريا، تواجه اليوم تراجعًا واضحًا في قدرتها على إدارة المشهد بالفاعلية نفسها التي كانت تتمتع بها سابقًا، فيما دخلت سوريا مرحلة سياسية مختلفة بعد سقوط نظام بشّار الأسد وصعود سلطة جديدة ترتبط بعلاقات وثيقة مع أنقرة.
في المقابل، تسعى تل أبيب إلى تحويل مكاسبها العسكرية إلى وقائع سياسية وأمنية راسخة على المدى الطويل، بينما تتحرك أنقرة لمنع تكريس أي معادلة تجعل اسرائيل الطرف الوحيد القادر على تحديد مستقبل المشرق ورسم اتجاهاته.
من هنا، يصبح مفهومًا لماذا قال أردوغان إنّ "أمن تركيا يبدأ من دمشق وبيروت". فهذه العبارة كانت إعلانًا واضحًا عن عقيدة سياسيّة جديدة رأت أنّ الأمن التركي لم يعد يُدافع عنه عند الحدود الجنوبية لتركيا، بل يبدأ من منع انهيار التوازنات في سوريا ولبنان، ومن الحؤول دون تحول إسرائيل إلى القوة المهيمنة بلا منازع في شرق المتوسط والمشرق العربي.
وتكشف القراءة التركية أنّ ما يجري في الجنوب اللبناني لا يُنظر إليه في أنقرة باعتباره ملفًا لبنانيًا محضًا، إنّما هو جزء من معركة أوسع تتصل بمستقبل المنطقة وشكل التوازنات التي ستُرسم في المرحلة المقبلة. وانطلاقًا من هذه الرؤية، تراقب تركيا بدقة مسار الحرب الإسرائيلية وتداعياتها، وتتعامل بحذر شديد مع أي ترتيبات قد تتيح لتل أبيب تثبيت واقع استراتيجي جديد يغيّر قواعد الاشتباك التي حكمت المنطقة لعقود. وتشير معلومات سياسية إلى أنّ القيادة التركيّة لا تبدي ارتياحًا تجاه بعض المسارات التي أعقبت الحرب، انطلاقًا من خشيتها من أن يؤدي أي اختلال إضافي في موازين القوى إلى منح إسرائيل هامشًا أوسع لفرض رؤيتها الأمنية على لبنان وسوريا معًا.
وفي هذا الإطار، لا تبدو المقاربة التركية مطابقة لمقاربة أي طرف لبناني. فهي لا تتبنى رؤية "حزب الله"، لكنها في الوقت نفسه لا تنظر إلى إضعافه أو عزله باعتباره هدفًا قائمًا في حدّ ذاته، إذا كان من شأن ذلك أن يؤدي إلى فتح الباب أمام تمدد إسرائيلي أوسع. وتقوم القراءة التركية على اعتبار أن أي معالجة دائمة للملف اللبناني يجب أن تبدأ أولًا بانسحاب إسرائيل الكامل من الأراضي اللبنانية، بما يحفظ الاستقرار الداخلي ويمنع نشوء أي فراغ يمكن أن تستفيد منه القوى الخارجية.
ولذلك، لا يمكن فصل زيارة عون إلى أنقرة عن الملف السوري، الذي سيكون حاضرًا بقوة على طاولة البحث. فتركيا باتت اليوم صاحبة التأثير الأبرز على السلطة الجديدة في دمشق، ما يمنحها موقعًا متقدمًا في أي نقاش يتعلق بمستقبل العلاقة اللبنانية – السورية. وتفيد المعلومات بأنّ عون سيستمع إلى تطمينات تركية تؤكد عدم وجود توجه لدى الرئيس السوري أحمد الشرع للانخراط في أي مواجهة داخل لبنان أو الدخول في صدام مع "حزب الله"، في وقت تحرص فيه أنقرة على إبقاء الحدود بين البلدين بعيدة عن أي تصعيد جديد.
ولا يقتصر الملف السوري على الجانب الأمني فقط، إذ ترغب بيروت أيضًا في استكشاف الموقف التركي من الضغوط الأميركية المتزايدة على دمشق، ولا سيما ما يرتبط بالمطالب الأميركية المتعلقة بالدور السوري تجاه "حزب الله". ويكتسب هذا البعد أهمية إضافية في ظل إدراك لبنان أن أي تفاهم أو تباين بين واشنطن وأنقرة سينعكس بصورة مباشرة على المشهد اللبناني، سواء على المستوى السياسي أو الأمني أو في ما يتعلق بإعادة رسم التوازنات الداخليّة.
وبالتزامن مع ذلك، تدرك أنقرة أنّ حركتها داخل لبنان ليست مفتوحة على جميع الاحتمالات. فهي تعي خصوصية التوازنات اللبنانية، ولا سيما الامتداد التاريخي للطائفة السنية نحو المملكة العربية السعودية. لذلك، تبدو حريصة على اعتماد سياسة تقوم على النفوذ الهادئ، من خلال توسيع شبكة اتصالاتها مع مختلف القوى اللبنانية، مع الإبقاء على قنوات التواصل مفتوحة مع الجميع، من دون الدخول في مواجهات مباشرة أو محاولة فرض وقائع تتجاوز خصوصية التركيبة اللبنانية.
وتتقاطع هذه المقاربة مع طموح تركي أوسع يهدف إلى ملء جزء من الفراغ الذي خلفه انحسار النفوذ الإيراني في المنطقة، وتحديدًا في بيروت ودمشق. فالتطورات التي شهدتها سوريا فتحت أمام أنقرة نافذة استراتيجية غير مسبوقة، جعلتها ترى في لبنان امتدادًا طبيعيًا لمجالها السياسي الجديد، خصوصًا في ظل الترابط الجغرافي والسياسي بين بيروت ودمشق. ومن هنا، تسعى أنقرة إلى بناء علاقة مباشرة مع الدولة اللبنانية ومؤسساتها، بعيدًا عن منطق الاصطفافات التقليدية، في محاولة لتثبيت حضور طويل الأمد في معادلات المشرق الجديد.
بيروت ضمن مشاريع الاقليم
لا تكتمل صورة التحرك التركي تجاه لبنان من دون التوقف عند ملف شرق المتوسط والطاقة، وهو ملف بات يشكل أحد أبرز عناوين التنافس الإقليمي خلال السنوات الأخيرة. فزيارة عون تأتي أيضًا في ظل استمرار التباين حول اتفاق ترسيم الحدود البحرية بين لبنان وقبرص، إذ ترى تركيا أن الاتفاق لم يأخذ في الاعتبار مصالحها الاستراتيجية في المنطقة، وأن أي ترتيبات تتعلق بثروات شرق المتوسط لا يمكن أن تتجاهل الدور التركي وموقع تركيا الجغرافي والسياسي. لهذا السبب تسعى أنقرة إلى تحويل هذا الخلاف من نقطة توتر إلى فرصة لإعادة بناء علاقة أكثر شمولية مع بيروت، تقوم على التعاون الاقتصادي والطاقة والاستثمار، مستفيدة من التحولات الكبرى التي طرأت على المنطقة.
والأهم من كل ذلك، أنّ تركيا لا تريد أن يكون حضورها في لبنان محصورًا بالملفات السياسية والأمنية، بل تسعى إلى تكريس دور اقتصادي واستراتيجي يجعلها شريكًا في المرحلة المقبلة، خصوصًا مع حاجة لبنان إلى إعادة إعمار اقتصاده واستعادة علاقاته الدولية والإقليمية.
وعليه، ستبقى نتائج زيارة أنقرة مرهونة بقدرة تركيا على تحويل تقاطع مصالحها مع لبنان إلى مكسب سياسي، وبالهامش الذي ستمنحه واشنطن لأنقرة للتحرك في الساحة اللبنانية، في ظل إدارة أميركية حريصة على الإمساك بمفاصل المرحلة المقبلة.