تموضع السنّة في لبنان: المفاوضات تفتح أسئلة المرحلة
يتصدر خيار التفاوض مع إسرائيل واجهة النقاش اللبناني، مثيرًا حفنةً من الأسئلة العميقة حول التموضعات الداخليّة وحدود التحوّل في المقاربات التقليديّة. وفي قلب هذا الجدل، يبرز موقع سُنّة لبنان بوصفه عنصرًا محوريًا، نظرًا إلى دورهم التاريخي كأحد أبرز المدافعين عن القضية الفلسطينية، والتزامهم الطويل بخيارات المواجهة السياسيّة ورفض السلام والتطبيع.
غير أنّ التحوّلات المتسارعة في موازين القوى، وما أفرزته من وقائع جديدة على الأرض، تفرض مقاربةً أكثر تعقيدًا، تدفع نحو إعادة قراءة الأولويّات بمعايير مختلفة، حيث تتقاطع الاعتبارات الوطنيّة مع الضغوط الإقليميّة، وتتصادم الثوابت مع حسابات الواقع. من هنا، لا يبدو السؤال اليوم محصورًا في مبدأ التفاوض بحدّ ذاته، إنّما في الكيفيّة التي يُعاد من خلالها تعريف هذا الخيار داخل البيئة السُنّية: أهو طرح اضطراري تفرضه موازين القوى، أم تحوّل استراتيجي يعكس مراجعةً أعمق لمسار سياسيّ امتدّ لعقود؟
ففي خضمّ هذا المشهد، تعدّدت المقاربات وتشابكت القراءات، وفي جولة على عدد من الشخصيّات المتابعة لهذا الملف، أوضح النائب إبراهيم منيمنة، في حديث لـ"كافيين دوت برس"، أنّ القضيّة الفلسطينيّة تشكّل مسارًا قائمًا بذاته، مستقلًا عن مسار المفاوضات الجارية، معتبرًا أنّ هذه الأخيرة تمثّل أداةً عمليّة تتيح للبنانيّين انتزاع أكبر قدر ممكن من حقوقهم، في أعقاب الانتكاسة التي أصابت البلاد.
وشدّد على أنّ الانخراط في إطار تفاوضي يُعدّ خيارًا طبيعيًا في سياق إدارة الأزمات، إذ يتيح للدولة، من جهة، السعي إلى وقف الحرب، ومن جهة أخرى المطالبة بإنهاء الاحتلال واستعادة الأراضي والأسرى وسائر الحقوق، ضمن مقاربة تجمع بين الواقعيّة السياسيّة والثوابت الوطنيّة.
وفي ما يتعلّق بطبيعة المفاوضات، سواء أكانت مباشرة أم غير مباشرة، أشار منيمنة إلى أنّ رئيس الجمهوريّة جوزف عون يميل إلى خيار المفاوضات المباشرة، في ظلّ اختلال ميزان القوى وتداعيات الحرب، بهدف وقف النزيف القائم، معتبرًا أنّ إسرائيل كانت ماضية في التصعيد منذ لحظة فتح "حزب الله" الجبهة وإقحام لبنان في أتون المواجهة.
وعلى صعيد مواز، أكّد أنّ اتفاق الطائف يشكّل ركيزةً دستوريّة لا يجوز المساس بها، بوصفه الإطار الناظم للحياة السياسيّة في لبنان، والمدخل الإلزامي للخروج من أزماته المتراكمة، لما يؤمّنه من أسس لدولة ديموقراطيّة يتساوى فيها المواطنون. ولفت إلى أنّ أيّ نقاش في صيغ بديلة يبقى سابقًا لأوانه، ما لم يُستكمل تنفيذ اتفاق الطائف على نحو كامل.
وانطلاقًا من هذا الطرح الذي يضع التفاوض في إطار البراغماتيّة السياسيّة وإدارة الخسائر، يتوسّع النقاش داخليًا ليعكس تباينات في مقاربة هذا الخيار، سواء لناحية صلاحيّات اتخاذ القرار أو انعكاساته على التوازنات الداخليّة والحساسيّات الطائفيّة. فالمسألة لا تقف عند حدود الجدوى السياسيّة، بل تتعدّاها إلى سؤال أكثر عمقًا يتعلّق بمن يملك شرعيّة رسم هذا المسار، وكيف يمكن دمجه مع المزاج العام داخل البيئات المختلفة، ولا سيّما في الشارع السنّي الذي يشهد بدوره تحوّلات في نظرته إلى أولويّات المرحلة.
وفي هذا الإطار، تبرز مقاربة النائب السابق مصطفى علوش، التي تنطلق من زاوية دستوريّة وسياسيّة مختلفة، واضعةً مسألة التفاوض في إطار صلاحيّات الدولة ومؤسّساتها، أكثر من كونها خيارًا ظرفيًا تفرضه التطوّرات الميدانيّة. فمن جهته رأى أنّ الدولة وحدها تمتلك الصلاحيّة الدستوريّة لتحديد طبيعة المفاوضات، سواء أكانت مباشرة أم غير مباشرة، معتبرًا أنّ توجّهات الشارع السنّي تنعكس من خلال موقفي رئيس الجمهوريّة ورئيس مجلس الوزراء.
وأشار إلى أنّ الأولويّات السياسيّة شهدت تحوّلًا جذريًا عن عام 1947، بفعل نتائج المواجهات مع إسرائيل وتبدّل موازين القوى، ما دفع شريحةً من السنّة إلى إعادة تعريف مصادر التهديد، بحيث باتت إيران تُدرج لدى البعض في خانة الخصوم، على غرار إسرائيل. واعتبر أنّ هذه التحوّلات أسهمت في ترسيخ قناعة لدى فئات معيّنة بأنّ الانخراط في مسار تفاوضي قد يكون الخيار الأقلّ كلفةً لتقليص الخسائر.
كما شدّد على أنّ اتفاق الطائف لا يزال يشكّل القاعدة الناظمة لدى الغالبيّة في الوسط السنّي، مؤكدًا أنّ أيّ محاولة لتجاوزه تفتقر إلى الغطاء السياسي والشعبي. وفي ما يتعلّق بإمكانيّة إسقاط رئيس مجلس الوزراء نواف سلام، تساءل عن الآليّات الدستوريّة المتاحة لذلك في ظلّ غياب أكثريّة نيابيّة معارضة لسياسة سلام، مستبعدًا سيناريوهات الانقلاب، ومشيرًا إلى أنّ أيّ تطوّر من هذا النوع يندرج ضمن مسؤوليّة المؤسّسات الأمنيّة، وفي طليعتها الجيش اللبناني، لا ضمن إطار طائفي ضيّق.
في المقابل، اعتبر الكاتب السياسي الدكتور خلدون الشريف أنّ مبدأ التفاوض يحظى بقبول واسع، وأنّ التمييز بين المفاوضات المباشرة وغير المباشرة يبقى تفصيلًا إجرائيًا أمام جوهر العمليّة التفاوضيّة، الذي يكمن في وضوح الأهداف وصلابة الموقف، مشددًا على ضرورة تحصين الموقف اللبناني وتوفير الدعم السياسي لرئيس الجمهوريّة، بما يتيح خوض مفاوضات تصبّ في المصلحة الوطنيّة العليا.
ورأى أنّ الأولويّات التفاوضيّة ينبغي أن تُبنى على تسلسل واضح يبدأ بوقف إطلاق النار، يليه الانسحاب الإسرائيلي، ثمّ تأمين عودة أهالي القرى الجنوبيّة إلى ديارهم، والانخراط في مسار إعادة الإعمار، ضمن معادلة توازن بين متطلّبات السيادة والضمانات الأمنيّة.
وختم الشريف حديثه بالتأكيد على أنّ النيّات الإسرائيليّة تجاه لبنان والمنطقة لا يمكن التعامل معها بوصفها معطى موثوقًا، ما يفرض مقاربةً حذرةً لا تراهن على تسويات سريعة أو سهلة، لافتاً إلى أنّ تعزيز الموقف اللبناني يمثّل ركيزةً للأجندة الوطنيّة الجامعة، التي تتجاوز الانقسامات الداخليّة، انطلاقًا من كون رئيس الجمهوريّة يمثّل الدولة بكلّ مكوّناتها، بما فيها القوى الممثّلة في المجلس النيابي "الثنائي الشيعي"، الأمر الذي من شأنه، في حال توافر دعمهم لـعون، أن يعزّز مناعة الموقف اللبناني وصلابته في مواجهة التحدّيات الإسرائيليّة.


