رسائل متضاربة فوق أجواء الضاحية... هكذا أُدير أخطر قرار في التوقيت الحرج

رسائل متضاربة فوق أجواء الضاحية... هكذا أُدير أخطر قرار في التوقيت الحرج

ما قيل في العلن شيء، وما جرى خلف الأبواب المغلقة شيء آخر تمامًا. فبينما تسابقت الأطراف إلى تسجيل النقاط السياسية والإيحاء بأنها صاحبة القرار والتأثير، كشفت الوقائع أنّ المشهد يُدار وفق حسابات مختلفة، وأنّ كثيرًا من السرديات التي جرى تسويقها خلال الساعات الماضية لا تصمد أمام ما يدور فعليًا في كواليس القرار الدولي.

ففي الوقت الذي انشغل الجميع بتحديد الجهة التي نجحت في وقف الضربة الإسرائيلية التي كانت ستستهدف الضاحية الجنوبية لبيروت، كانت الديبلوماسيّة الدولية تخوض سباقًا من نوع آخر، عنوانه منع انفجار واسع النطاق في المنطقة، وتهيئة الأرضية السياسية لمسار تفاوضي يبدو أنه يتقدم تدريجيًا على حساب منطق المواجهة العسكرية في المرحلة الراهنة.

ومن هنا، تأتي المعلومات التي حصلت عليها "كافيين دوت برس"، من مصادر أميركيّة مواكبة للمباحثات، والتي رسمت صورة مختلفة تمامًا عما جرى تداوله خلال الساعات الماضية. إذ أوضحت أنّ قرار وقف الضربة الإسرائيلية التي كانت مقرّرة مساء الإثنين لم يكن مرتبطًا بالخوف الأميركي من الضغوط الإيرانية أو من إغلاق مضيق باب المندب، كما رُوّج ، إنّما جاء نتيجة قرار أميركي مباشر اتُّخذ في إطار توفير الظروف السياسية والأمنية المناسبة لاستكمال جولة المباحثات اللبنانية – الإسرائيلية المستمرّة في الثاني والثالث من حزيران.

 

وبحسب المصادر، رأت الإدارة الأميركيّة أنّ أي تصعيد عسكري كبير خلال هذه المرحلة من شأنه أن ينسف الجهود الديبلوماسية القائمة ويعقّد مسار التفاهمات الجاري العمل عليها، ما دفعها إلى التدخل في صورة مباشرة عبر رئيسها دونالد ترامب لتجميد العملية العسكرية في هذا التوقيت تحديدًا. كما لعبت الضغوط الإقليمية، ولا سيما الخليجية منها، دورًا مكملًا في هذا الاتجاه، خصوصًا بعد التحرك الذي قادته الرياض للمطالبة بوقف العمليات العسكرية الإسرائيلية، والدعوة إلى احتواء التصعيد ومنع اتساع رقعة المواجهة.

وشددت المصادر الأميركيّة نفسها على أنّ الروايات التي نسبت الفضل الرئيسي لإيران في وقف الضربة لا تستند إلى الوقائع الفعلية التي رافقت عملية اتخاذ القرار، معتبرة أن ما جرى تداوله في هذا الإطار يندرج ضمن سياق سياسي وإعلامي مقصود، هدفه إظهار طهران بموقع الطرف المؤثر وصاحب الكلمة الفصل، كاشفةً أنّ الإدارة الأميركية أوحت للإيرانيين وأذرعهم بأنها صاحبة المبادرة في هذا المسار إنّما الحقيقة مغايرة تمامًا. 

وموازاةً لذلك، أشارت المصادر إلى أنّ واشنطن باتت تنظر بقلق متزايد إلى ما تصفه بغياب القرار الرسمي اللبناني الواضح تجاه ملف "حزب الله"، مؤكدةً أنّ الاتصالات التي جرت خلال الساعات الأخيرة شملت قنوات متعددة، شارك فيها "الحزب"  بصورة غير مباشرة عبر رئيس مجلس النواب، نبيه بري، إضافة إلى وساطات واتصالات مع كل من الدوحة والرياض.

ولوّحت المصادر الأميركية إلى أنّ جولة المباحثات الحالية تشكل مرحلة تقييم واختبار للنوايا أكثر مما تمثل مفاوضات نهائية، مشيرة إلى أنّ نتائج هذه الجولة ستُبنى عليها المرحلة التالية، التي قد تشهد انتقالًا إلى مفاوضات أكثر عمقًا وجدية، وبالتالي قد تفتح الباب أمام ترتيبات سياسية وأمنية طويلة الأمد وهذا ما عُرف في الأشهر القليلة بالسلام. 

وفي ما يتعلق بالوضع الميداني في الجنوب، نوّهت المصادر إلى أنّ الإدارة الأميركية لم تتراجع في أي وقت عن موقفها الداعم لتمركز القوات الإسرائيلية في الأراضي اللبنانية، معتبرةً أنّ هذا البند لا يزال قائمًا ضمن الرؤية الأميركية للحل. إلا أنها أوضحت، في المقابل، أن العمليات العسكرية الإسرائيلية في الجنوب مرشحة للاستمرار خلال المرحلة المقبلة، في إطار ما تعتبره إسرائيل مسعى لإنهاء القدرات العسكرية لـ"حزب الله" ومنع إعادة بناء بنيته القتالية والعسكرية.

 

وأفصحت المصادر الأميركيّة عن أنّ رئيس مجلس النواب نبيه بري لا يرفض مبدئيًا فكرة المفاوضات المباشرة مع إسرائيل، خلافًا لما يتم تداوله ، مذكرةً أنه سبق لبري أن عقد لقاءات واتصالات مع المبعوثة الأميركيّة السابقة مورغان أورتاغوس وقبلها مع آموس هوكستين، ومشيرةً إلى وجود معطيات تتعلق بمحادثات واتصالات إضافية قد تظهر تفاصيلها إلى العلن خلال الأيام المقبلة.

وختمت المصادر حديثها بالإشارة إلى أنّ مواقف الطائفة الشيعيّة الرافضة للمفاوضات المباشرة، سواء من قبل بري أو "حزب الله"، كانت مرتبطة، في جزء كبير منها، باعتبارات سياسية داخلية وحسابات تتصل بالخطاب الموجّه إلى جمهورهما، أكثر مما كانت تعكس حقيقة الاتصالات الجارية في الكواليس أو طبيعة المسار التفاوضي الذي يتقدم بهدوء بعيدًا عن الأضواء، في انتظار لحظة سياسية مناسبة تسمح بالإعلان عن نتائجه أو الانتقال به إلى مراحل أكثر تقدمًا.

اقرأ المزيد من كتابات كارين القسيس