كواليس معركة "ليبان تيليكوم" على لسان الاتصالات: إصلاح القطاع يواجه شبكة نفوذ "حزب الله"
وزارة الاتصالات
عاد مشروع "ليبان تيليكوم" إلى صدارة المشهد، فاتحًا الباب أمام مواجهة تتجاوز البعد الوظيفي إلى أبعاد سياسية وإدارية ومالية، في ظل تضارب المواقف في شأن أهداف المشروع، والجهات المستفيدة منه، والعراقيل التي تعترض تنفيذه. وبين سرديّة وزارة الاتصالات التي تؤكد أنّ المشروع يهدف إلى تحديث القطاع وإخراجه من أزماته المزمنة، والمخاوف التي يعبّر عنها العاملون في شأن مستقبلهم، يبرز السؤال الأساسي: هل يشكل "ليبان تيليكوم" بوابة إصلاح حقيقيّة، أم أنه بداية مرحلة جديدة من الصراع داخل أحد أكثر القطاعات حساسيّة في الدولة اللبنانيّة؟
"كافيين دوت برس" تابع الملف، وعلم أنّ حالة من التوتر والقلق سادت في صفوف موظفي هيئة الاتصالات "أوجيرو"، وكذلك في شركتي الخليوي "ألفا" و"تاتش"، بعدما خشي بعض الموظفين من أن يؤدي المشروع الجديد إلى الاستغناء عن عدد منهم وإخراجهم من الخدمة، ما دفعهم خلال الأيام الماضية إلى رفع الصوت اعتراضًا على ما يعتبرونه "خطوات ناقصة" تعيق إطلاق مشروع "ليبان تيليكوم"، بعد سنوات طويلة على صدور قانون الاتصالات، من دون استكمال مرتكزاته القانونية والمالية والتشغيلية، الأمر الذي يرونه تهديدًا مباشرًا لمستقبل نحو 2400 موظف في الهيئة، ويضعهم أمام مصير مجهول.
وفي هذا الإطار، وجدت نقابة موظفي "أوجيرو" في هذه التطورات دافعًا للتحرّك، فأعلنت يوم الخميس تصعيد موقفها عبر تنفيذ اعتصام مركزي في ساحة رياض الصلح، تأكيدًا لوحدة صفوفها وتمسكها بالدفاع عن مستقبل العاملين وحقوقهم. وبالتوازي، برز تحرّك مماثل داخل شركة "تاتش"، في سياق استكمال التحركات التي تقودها نقابتا موظفي "ألفا" و"تاتش"، والتي تتركز على حماية الحقوق المكتسبة للموظفين، ولا سيّما ما يرتبط بالترقيات الوظيفيّة وتحسين الرواتب. ما يطرح السؤال حول مصير الموظفين الذين التحقوا بـ"أوجيرو" بعد عام 2017، وما إذا كانوا سيواجهون قرار الصرف من الخدمة، إضافةً إلى الوقوف على طبيعة الخلاف القائم حول المشروع وأبرز نقاط التباين المرتبطة به.
وبحسب مصدر مطلع من داخل أروقة وزارة الاتصالات، فإنّ الوزير المعني شارل الحاج يتجه إلى نقل جميع هؤلاء الموظفين إلى شركة "ليبان تيليكوم"، مع الحفاظ الكامل على جميع الامتيازات والحقوق التي يتمتّعون بها حاليًا، موضحًا أنّ لا نية لصرف أي موظف من الخدمة، نظرًا إلى أنّ أي عملية صرف تستوجب دفع تعويضات مالية، وهو ما لا تستطيع الدولة تحمّله في المرحلة الراهنة. كذلك كشف المصدر نفسه أنّ وزير المال ياسين جابر أبلغ الحاج في شكل واضح أنّ وزارته غير قادرة على تحمل كلفة أي تعويضات من هذا النوع.
وشرح أنّ "ليبان تيليكوم" هو مشروع قانون أُقر عام 2003، ويهدف إلى إنشاء الشركة الوطنية اللبنانية للاتصالات، التي ستتولى تشغيل قطاع الاتصالات الثابت، سواء عبر شبكة الألياف الضوئية (فايبر أوبتك) أو خدمة (د.س.ل)، إضافةً إلى امتلاكها رخصة تشغيل ثالثة للهاتف الخليوي. وبذلك، تصبح الشركة مشغّلًا وطنيًا يعمل وفق نظام قريب من الشركات الخاصة، على غرار "ألفا" و"تاتش"، مع اعتماد منظومة رقابة صارمة على الأداء والإدارة، مع التشديد على أنّ حقوق موظفي "أوجيرو" الذين سينتقلون إليها ستبقى محفوظة بالكامل ولن يطرأ عليها أي انتقاص.
وأكّد أنّ إنشاء "ليبان تيليكوم" من شأنه إنهاء حالة الفوضى التنظيميّة التي يعيشها قطاع الاتصالات، معتبرًا أنّ الوضع القانوني الحالي لـ"أوجيرو" لم يعد ملائماً، وأنّ الإطار القانوني الذي يحكم عملها يعود إلى ثمانينيات القرن الماضي، الأمر الذي أدى إلى معوقات قانونية وإدارية وتنظيمية متراكمة.
وأشار المصدر إلى أنّ إعادة إطلاق الشركة الوطنية للاتصالات ستعيد تنظيم القطاع، وتؤسس لنموذج عمل يسمح للشركة بتمويل استثماراتها من إيراداتها الخاصة، من دون الحاجة إلى تمويل مباشر من الدولة، خلافًا لما هو قائم اليوم في "أوجيرو". فالشركة بحسب المصدر ستكون مطالبة بتحقيق الأرباح وإعادة استثمارها في تطوير الشبكات والبنى التحتية، وفي حال الإخفاق في تحقيق النتائج المطلوبة، سيتمّ تغيير مجلس إدارتها بالكامل، بما يجعل آلية العمل أقرب إلى نموذج القطاع الخاص القائم على المحاسبة والإنتاجيّة.
وشدّد على أنّ التعيينات التي ستُجرى داخل الشركة الوطنيّة ستخضع للآليات نفسها المعتمدة في شركتي "ألفا" و"تاتش"، لكنّه لفت في الوقت نفسه إلى أنّ الوزير الحاج اتخذ قرارًا يقضي بوقف أي توظيفات جديدة في المرحلة الحالية. كذلك أفاد بأنّ "الاتصالات" لا تزال المالكة للقطاع، وأن شركتي "ألفا" و"تاتش" لا تزالان مملوكتين للدولة اللبنانية، فيما تعيَّن الدولة مجلسي إدارتيهما، بعدما كانت الإدارة في السابق تُسند إلى شركات خارجية، مثل شركة "زين" وغيرها، مضيفًا أنه في حال عادت شركات عربية إلى تشغيل "ألفا" و"تاتش" بموجب تراخيص جديدة، فإنّ تلك الشركات ستكون صاحبة صلاحية التوظيف من دون الحاجة إلى العودة إلى وزارة الاتصالات.
وفي ما يتعلّق بموظفي "أوجيرو"، أوضح المصدر أنهم بعد انتقالهم إلى "ليبان تيليكوم" لن يعودوا موظفي دولة بالمعنى الإداري، بل سيصبحون موظفين في شركة مملوكة من الدولة، مع احتفاظهم بجميع الامتيازات التي يتمتعون بها حاليًا، كاشفًا أنّ الوزير الحاج يضع ضمن خطته فتح الباب مستقبلًا أمام دخول مستثمرين أجانب إلى الشركة، على أن تحتفظ الدولة اللبنانية بنسبة 50 في المئة من ملكيتها.
وطمأن أنّ "ليبان تيليكوم" ستكون شركة منتجة لا ترتّب أعباء مالية على الدولة، سواء لجهة الرواتب أو التقديمات الاجتماعية، شارحًا أنّ موظفي الدولة يستفيدون أساسًا من الضمان الاجتماعي والصناديق التعاضدية، فيما يمكن للعاملين في الشركة الوطنية مستقبلًا الحصول على امتيازات إضافية مماثلة لتلك المعمول بها في شركتي "ألفا" و"تاتش".
وسلّط الضوء على أنّ جميع الإيرادات التي تحققها "أوجيرو" اليوم تُحوّل إلى خزينة الدولة، ومنها تُموّل الرواتب والاستثمارات، في حين أن اعتماد نموذج "ليبان تيليكوم" سيضع حدًا لهذا الواقع، بحيث تصبح الشركة مسؤولة مباشرة عن تمويل نفقاتها ورواتب موظفيها، من دون أن تبقى خاضعة لقرارات وزارة المال، مشيرًا إلى أنه في حال امتنعت الوزارة عن تحويل الأموال لأي سبب، فإنّ الموظفين في الوضع الحالي قد يبقون من دون رواتب، ولن تتدخل الدولة لإنقاذهم أو تمويل خسائرهم.
الأحزاب تدخل على خط العرقلة
في المقابل، كشف المصدر نفسه أنّ المشروع يواجه عراقيل سياسيّة من مختلف القوى، وإن بدرجات متفاوتة، موضحًا أنّ الأحزاب المسيحية، وفق توصيفها، لا تعرقل المشروع في شكل مباشر، لكنها لا تقدم دعمًا فعليًا له، انطلاقًا من قناعتها بضرورة الانتقال من المؤسسات العامة الحالية إلى نموذج أكثر حداثة. كما أشار إلى أن بعض القيادات السنيّة تمارس قدرًا من الاعتراض، ولكن ضمن حدود معينة.
أمّا الجهة الأكثر اعتراضًا، بحسب المصدر، فهي "الثنائي الشيعي"، وتحديدًا "حزب الله"، إضافة إلى "الحزب التقدمي الاشتراكي"، الذي لا يمتلك عددًا كبيرًا من الموظفين داخل القطاع، إلا أنه يقف إلى جانب حليفه رئيس مجلس النواب نبيه بري في هذا الملف.
وأضاف أنّ حركة "أمل" لديها مصالح تدفعها إلى عرقلة المشروع، باعتبار أنّ انتقال الشركة إلى نموذج مستقلّ سيخرجها من نطاق سلطة وزارة المال، ويتيح اعتماد آليات محاسبة أكثر صرامة، ولا سيّما في ما يتعلق بالموظفين الذين دخلوا إلى "أوجيرو" في صورة عشوائيّة خلال السنوات الماضية.
ورأى المصدر أنّ "حزب الله" هو الطرف الأكثر تضررًا من إنشاء "ليبان تيليكوم"، لأن ذلك سيؤدي، بحسب وصفه، إلى خروج "أوجيرو" من نطاق السيطرة الأمنيّة التي يتمتع بها حاليًا داخل الهيئة، مشيرًا إلى وجود موظفين محسوبين عليه، ومن بينهم مدير شبكات بيروت، الذي وصفه المصدر بأنّه من أبرز المدافعين عن الحزب.
وفي سياق متّصل، شدّد المصدر على أنّ المشروع سيسلك طريقه إلى التنفيذ، مؤكدًا وجود إصرار واضح من الوزير الحاج على المضي به، وأنّه يحظى، بضوء أخضر من رئيس الجمهورية، إضافة إلى رئيسي مجلس النواب والوزراء، ومؤكدًا بإلحاح أن جميع محاولات العرقلة لن تنجح في وقف المشروع.
ورأى أنّ إطلاق "ليبان تيليكوم" بات ضرورة ملحّة لتطوير قطاع الاتصالات، وأنّ استمرار العمل وفق النموذج الحالي لم يعد مقبولًا، خصوصًا في ظل التأخر الكبير في تطوير مشاريع (الفايبر أوبتك)، في وقت لم تعد متوافرة في مختلف دول العالم.
اعتصامات لن تغيّر مسار المشروع
وفي ما يتعلّق بالاعتصامات التي ينفذها الموظفون، أفاد المصدر بأنّ رئيس الجمهورية جوزف عون طلب من المعتصمين التريّث ومنح مهلة إلى حين عودته من زيارته إلى واشنطن، على أن يُعاد البحث في الملف والعمل على معالجته، إلاّ أن المصدر نفسه اتهم "حزب الله" و"الحزب التقدمي الاشتراكي" بالتحريض على رفض منح أي مهلة، والدفع نحو تنفيذ إضراب مفتوح يؤدي إلى تعطيل الخدمات المقدمة للمواطنين.
وختم المصدر حديثه بالإشارة إلى أنّ "الحزب"، كلما أراد إجراء أي تفاهم مع الدولة، يطلب أن يكون الحاج خارج إطار التفاوض، واصفًا ذلك، بتمسك الوزير بموقفه وإصراره على تنفيذ المشروع كما هو مرسوم.