مصدر ديبلوماسي عربي لـ"كافيين دوت برس": شخصيات لبنانية تُمهّد لعودة الوصاية السورية

مصدر ديبلوماسي عربي لـ"كافيين دوت برس": شخصيات لبنانية تُمهّد لعودة الوصاية السورية

عون ووزير الخارجية السوري

لا تنتهي الزيارات الديبلوماسيّة، في العادّة، بأكثر من بيان رسمي وصورة بروتوكوليّة توثّق اللقاءات. غير أنّ بعضها يخلّف مشاهد تتجاوز في دلالاتها مضمون المحادثات نفسها، لتتحول إلى رسائل سياسيّة مكتملة المعنى. هذا ما انطبق على زيارة وزير الخارجية السوري، أسعد الشيباني، إلى لبنان الأسبوع الماضي، والتي فرضت نفسها حدثًا سياسيًا قابلًا لتأويلات متعدّدة، تجاوزت في مداها الإطار الديبلوماسي التقليدي. فقد حملت تفاصيل الزيارة وما أحاط بها من رمزية مؤشرات أعادت إلى صدارة المشهد واحدًا من أكثر الملفات حساسية في التاريخ اللبناني الحديث، والمتمثل في إعادة تعريف طبيعة العلاقة مع دمشق في مرحلة ما بعد سقوط حقبة الوصاية السوريّة. 
 
 فالمشهد الذي افتُتح بحفاوة الاستقبال، واستُكمل بسلسلة لقاءات شملت المرجعيات السياسيّة والروحيّة، لم يُقرأ، وفق مصدر ديبلوماسي عربي واكب الزيارة، بوصفه برنامجًا بروتوكوليًا اعتياديًا لوزير خارجية في زيارة رسمية، بقدر ما اعتُبر محطةً سياسيةً بالغة الدلالة، أعادت إحياء تساؤل ظنّ كثيرون في لبنان أنه طُوي مع انتهاء مرحلة الوصاية السورية: هل أُسدلت الستارة فعلًا على حقبة النفوذ السوري في لبنان، أم أنّ بيروت تقف اليوم على أعتاب مرحلة جديدة يُعاد فيها إنتاج العلاقة مع دمشق وفق مقاربات مختلفة وأدوات أكثر مرونة وعناوين مغايرة؟
 
 ورأى المصدر نفسه أنّ مستوى الاستقبال الذي حظي به الشيباني اتسم بـ"مبالغة لافتة"، معتبرًا أنه استحضر، في رمزيته السياسية، مشاهد تعود إلى حقبة وصاية آل الأسد على لبنان. ووفق تقديره، تكمن المفارقة في أنّ القيادة السورية الجديدة، برئاسة الشرع، وبمشاركة الشيباني، دأبت في مواقفها المعلنة على التأكيد أن تلك المرحلة أصبحت جزءًا من الماضي، وأنّ دمشق لا تعتزم استعادتها أو إعادة إنتاجها، غير أنّ المشاهد التي واكبت الزيارة، بحسب المصدر، بدت مناقضة لهذه الرسائل، وأعطت انطباعًا مغايرًا لما تسعى القيادة السورية إلى ترسيخه بشأن طبيعة العلاقة الجديدة مع لبنان. 
 
 وذهب في تقديره إلى أنّ الإصرار السوري المتكرّر على التأكيد بأنّ دمشق لن تتدخل في الشأن اللبناني يثير، من وجهة نظره، علامات استفهام أكثر مما يبعث على الاطمئنان، إذ إنّ تواتر هذا الخطاب بصورة لافتة قد يفضي إلى توليد انطباع مغاير للمراد منه. كما ألمح المصدر أنّ الفارق الجوهري بين المرحلتين يتمثل في أنّ مفهوم الوصاية السورية، لم يعد يُمارس بصورة مباشرة من دمشق كما كان الحال في العقود الماضية، إنّما باتت بعض القوى والشخصيات اللبنانية، من تلقاء نفسها، تبادر إلى إعادة فتح قنوات التواصل مع القيادة السورية الجديدة، بما يعكس برأيه إمكانيّة ولادة أنماط مستحدثة من العلاقة تُعيد إنتاج أشكال من التبعية بأدوات وصيغ مختلفة.
 
 

وأوضح أنّ الزيارة، من الناحية الديبلوماسية، كان يفترض أن تقتصر على اللقاءات الرسمية، إلى جانب اجتماع مع نظيره اللبناني يوسف رجي في مقر وزارة الخارجية، انسجامًا مع الأعراف الرسميّة المتبعة بين الدول. غير أنّ عدم عقد لقاء رسمي مباشر مع رجّي، والاكتفاء بلقائه في كلّ من قصر بعبدا والسراي الحكومي، في مقابل اتساع رقعة الاجتماعات ذات الطابع السياسي والحزبي، دفع، بحسب المصدر، إلى ترجيح أن الهدف الأساسي للزيارة تجاوز الإطار البروتوكولي التقليدي، متجهًا نحو بناء شبكة علاقات مباشرة مع مختلف القوى والقيادات اللبنانية، إلى جانب توجيه دعوات لزيارة "سوريا الجديدة"، بما يعكس، مسعى دمشق إلى إعادة تموضعها السياسي داخل الساحة اللبنانية.
 
 وشدد المصدر الديبلوماسي العربي، بإلحاح، على أنّ الإشكاليّة الأساسيّة لا تكمن في سعي سوريا، في هذه المرحلة، إلى فرض نفوذها بالقوة أو إعادة إنتاج أدوات السيطرة السابقة، إنّما في انفتاح الساحة اللبنانية على احتمالات إعادة التموضع السوري، في ظل استعداد بعض القوى والشخصيات اللبنانية لإعادة ترميم العلاقة مع دمشق إلى حدود وصفها بـ"تقديم الطاعة السياسية"، كاشفًا في هذا الإطار أنّ شخصيّة سياسيّة بارزة لم يكن اسمها مدرجًا ضمن برنامج اللقاءات، غير أنها أبدت امتعاضًا من استبعادها، ما دفع القائمين على الزيارة إلى إعادة النظر في الترتيبات وإدراج لقاء معها لاحقًا. 

 

وأضاف أنّ الشيباني وجّه دعوات إلى مختلف المرجعيات التي التقاها لزيارة دمشق، إلا أن رئيس حزب أبدى تحفظًا في الكواليس تجاه الإقدام على هذه الخطوة في المرحلة الراهنة، معتبرًا أن التوازنات والتطورات الإقليمية لا تسمح بتقديم أي إشارات يمكن أن تُفسّر على أنها عودة إلى أنماط العلاقة السابقة بين لبنان وسوريا. وبناءً عليه، رجّح المصدر أن المرحلة القريبة لن تشهد زيارات لقيادات حزبية إلى دمشق، على غرار ما كان سائدًا في مراحل سابقة. 


 
 وفي ملف العلاقات الثنائية، لفت المصدر إلى أنّ الحديث عن إنشاء لجنة لبنانية - سورية عليا، في ظل وجود سفارتين وتمثيل ديبلوماسي كامل بين البلدين، يثير الكثير من علامات الاستفهام، متوقعًا بأن وجود مثل هذه اللجنة قد يشكل، برأيه، غطاءً لإعادة إنشاء قنوات سياسية وإدارية موازية للمؤسسات الرسمية، بما قد يسمح بتدخلات غير شفافة بعيدًا عن رقابة الدولة اللبنانية والرأي العام والمجتمع الدولي. كما أكّد أن العلاقات الطبيعية بين الدول العربية تُدار عبر الرئاسات والحكومات ووزارات الخارجية والسفارات، ولا تستدعي إنشاء لجان عليا من هذا النوع طالما أن العلاقات الديبلوماسية قائمة بصورة كاملة.
 
 كما أعرب المصدر عن تخوفه من أن تؤدي الحفاوة الكبيرة التي رافقت زيارة الشيباني إلى إدخال لبنان تدريجيًا في مسارات صراع إقليمي يتجاوز قدرته على تحمله، ولا سيما في ظل احتدام التنافس التركي - الإسرائيلي على النفوذ في المنطقة، موضحًا أنّ هذا التنافس بات، بحسب تقديره، أحد أبرز العوامل التي سترسم التوازنات الإقليمية خلال السنوات المقبلة، في وقت تعمل فيه تركيا على تثبيت حضورها الاستراتيجي الممتد من القوقاز إلى المشرق العربي، فيما تسعى إسرائيل، وفق توصيفه، إلى تكريس نفوذها الأمني والسياسي في لبنان وسوريا وعموم الشرق الأوسط.
 
 وختم المصدر حديثه بالقول إنّ التوسع التركي داخل سوريا أصبح واقعًا قائمًا، محذرًا من أن عدم تنبه القوى السياسية اللبنانية إلى التحولات الإقليمية قد يضع لبنان أمام صراعات أكبر من المواجهة القائمة حاليًا بين إسرائيل و"حزب الله". كما رأى أن سوريا تبدو مرشحة لأن تتحول إلى وسيط ومحور جيوسياسي أساسي في بيروت، ليس عبر مواجهة عسكرية مباشرة، وإنما من خلال صراع نفوذ يعتمد بصورة متزايدة على الأدوات السياسية والاقتصادية لاستقطاب المكونات اللبنانية وإعادة رسم موازين القوى داخل الساحة اللبنانيّة. 

اقرأ المزيد من كتابات كارين القسيس