مصادر أميركيّة لـ"كافيين دوت برس": موافقة ضمنيّة من برّي وتعثّر في موقف هيكل
عون وكرم والوفد العسكري المفاوض
اشتدّت خلال الأسابيع الأخيرة وتيرة السجالات والتسريبات الإعلاميّة والسياسيّة حول مستقبل الاتفاق الإطاري، وما إذا كان سيبصر النور، أم أنّ مصيره سيكون كما نعاه رئيس مجلس النواب نبيه بري. وفي موازاة ذلك، تصاعدت روايات تتحدث عن رفض "الثنائي الشيعي" للاتفاق منذ للحظات الأولى لطرحه، إلاّ أنّ هذه الروايات، وعلى الرغم من اتساع نطاق تداولها، طرحت تساؤلات حول مدى انسجامها مع الوقائع الفعلية التي رافقت مسار المفاوضات.
فبحسب مصادر أميركيّة مواكبة للمفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية، فإنّ المشهد السياسي الداخلي لا يعكس حقيقة مواقف القوى السياسيّة، ولا سيما موقف رئيس مجلس النواب نبيه بري، إذ اعتبرت أنّ جانبًا واسعًا من الخطاب التصعيدي يندرج في إطار اعتبارات داخلية ومحاولات لاحتواء تداعيات المرحلة أمام البيئة الشيعية، في وقت تتواصل الاتصالات السياسيّة والديبلوماسيّة بوتيرة مكثفة، وسط تمسك أميركي بالمضي في تنفيذ الاتفاق، باعتباره امتدادًا للمسار الذي انطلق عقب تفاهمات عام 2024 في عهد حكومة الرئيس نجيب ميقاتي، وهو المسار الذي وافق عليه "حزب الله" وشارك فيه عبر مسؤولين تابعين له، قبل أن يؤدي تعثر تنفيذ القرار، وفق المصادر، إلى بلورة الاتفاق الإطاري بصيغته الحالية.
وأوضحت أنّ الاتفاق الأخير لا يزال ساري المفعول، ولم يخرج من إطار قرار التنفيذ رغم الضجيج السياسي الذي رافق الإعلان عنه، وأنّ الاعتراضات التي سبقته لم تكن، في جوهرها، اعتراضًا على مبدأ الاتفاق، بقدر ما كانت محاولة للتخفيف من تداعيات الحرب التي خاضها "حزب الله" على الجبهة الجنوبية وإنكار نتائجها.
وكشفت المصادر الأميركية نفسها أنّ برّي، أبلغ أحد السفراء العرب موافقته الضمنية على الاتفاق، مع تسجيل بعض التحفظات التي يرى إمكانية معالجتها خلال مراحل التفاوض اللاحقة، موضحةً أنّ الاتفاق لا يُعد اتفاق سلام نهائيًا، وإنّما يمثل إطارًا أوليًا يمكن البناء عليه للوصول إلى تسوية سياسيّة وأمنيّة شاملة بين بيروت وتل أبيب.
وأضافت أنّ برّي لم يطلب من الوزراء المحسوبين عليه الانسحاب من الحكومة، انطلاقاً من قناعته بأنّ أي محاولة لتعطيل المسار القائم قد تفتح الباب أمام تداعيات أو إجراءات عقابية أميركيّة، مذكّرةً بالعقوبات التي طالت شخصيات مقرّبة منه، والتي تلقّاها على أنّها رسالة سياسيّة مباشرة موجّهة إليه، من جانب الإدارة الأميركيّة.
وفي المقابل، أشارت المصادر إلى أنّ بري يبدي امتعاضًا متزايدًا من بعض سلوكيات وتصرفات "حزب الله"، مع ميل إلى مقاربة أكثر واقعية للمرحلة الراهنة، تقوم على أولوية إنهاء حالة الحرب، وتثبيت مسار الانسحاب الإسرائيلي من الجنوب، وفتح الطريق أمام إعادة الإعمار، هذا الملف الذي يُعدّ بالنسبة إليه هدفًا محوريًا، لما يحمله من انعكاسات سياسيّة وميدانيّة، ولما يمكن أن يكرّسه من دور له في إدارة مرحلة إعادة الإعمار ورفع أسهمه أكثر فأكثر عند أبناء الطائفة الشيعيّة.
ورأت أنّ التطورات الحالية جاءت نتيجة مباشرة للمسار الذي بدأ عقب العمليات التي نفذها "الحزب" ضد إسرائيل، ما دفع واشنطن إلى تكثيف انخراطها السياسي والأمني. كما أكدت المصادر أنّ الاتفاق الحالي يُعدّ استكمالًا لما أعلنته حكومة الرئيس السابق نجيب ميقاتي في 27 تشرين الثاني 2024.
ولفتت إلى أنّ الآلية الجديدة التي اقترحها الاتفاق الاطاري ستبقى نافذة حتى انتهاء المفاوضات، وأنّ واشنطن تعمل على توفير جميع المقومات اللازمة للوصول إلى سلام مستدام، لكنها ترى في المقابل أنّ نجاح هذا المسار يتطلب تعاونًا فعليًا من الدولة اللبنانية الرسميّة ومن الجيش الشرعي، لهذا السبب أوفدت قائد القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم)، الجنرال براد كوبر، إلى بيروت للإشراف على المراحل الأولى من انتشار الجيش اللبناني في المناطق التجريبية، وتقييم مدى استعداد المؤسسة العسكرية، بقيادة العماد رودولف هيكل، لتنفيذ الآليات المقترحة.
وحذرت من انّ الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان قد يشهد مزيدًا من التأخير، مرجحةً ذلك إلى اعتراض هيكل على آلية رقابة مشتركة جديدة بين الجيشين اللبناني والإسرائيلي. ووفقًا للمصادر، فإن هذه الآلية لا تقتصر على رصد الخروقات المنسوبة إلى "حزب الله"، وإنما تمتد أيضًا إلى تنسيق الخطوات العمليّة المتعلقة بتفكيك البنية العسكرية "للحزب".
وأوضحت أنّ الآلية الجديدة تختلف جذريًا عن تلك التي أقرّت في السابق، معتبرةً أنّ المحاولة الأولى أثبتت فشلها، بحسب قولها " نتيجة اختراق اللجنة من قبل "حزب الله"، بمساعدة عناصر داخل المؤسسة العسكرية". ولذلك، شدّدت بإلحاج على أنّ الادارة الأميركيّة تعتزم هذه المرة الإشراف المباشر على اختيار أعضاء الآلية الجديدة، بما يضمن، بحسب تقديرها، حماية عملها ومنع تسريب تحركاتها أو تعليماتها.
واعتبرت أنّ هيكل لم يُبد حتى الآن المستوى المطلوب من التجاوب مع هذه الترتيبات، مشيرةً إلى أنّ أي مسار يهدف إلى إخراج لبنان من أزمته الأمنية والسياسية لا يمكن أن ينجح إلاّ من خلال الجيش اللبناني، باعتباره المؤسسة الشرعية الوحيدة المخوّلة تنفيذ هذه المهمة، وبقرار سياسي واضح.
وفي الشق الديبلوماسي، رجحت المصادر أن يحمل السفير الأميركي لدى لبنان، ميشال عيسى، خلال الأيام المقبلة دعوة رسميّة إلى رئيس الجمهورية جوزف عون لزيارة واشنطن، مع احتمال تزامنها مع زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، إلاّ أنّها تؤكد أنّ عون لا يزال، وفقًا للمصادر، متمسكًا برفض عقد أي لقاء مع نتنياهو.
أمّا في ما يتعلّق بإمكان تدخل قوات أميركيّة لمساندة الجيش اللبناني في التعامل مع ترسانة "حزب الله" العسكرية، فختمت المصادر حديثها بالقول إنّ هذا الاحتمال يبقى مرتبطًا بمستقبل المشهد السياسي، مضيفةً أنه في حال وصل الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى طريق مسدود، فقد يُطرح خيار وضع لبنان تحت الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدّة. مستشهدةً في هذا السياق بفشل مجلس النواب الأميركي في تمرير مشروع قرار تقدمت به النائبة الديمقراطية رشيدة طليب، يهدف إلى تقييد صلاحيات ترامب في ما يتعلق بالعمليات العسكرية في لبنان، بعدما استندت غالبية أعضاء المجلس إلى عدم وجود قوات أميركية تشارك حاليًا في عمليات قتالية داخل جنوب لبنان، وهو ما ترى المصادر أنه يعكس وجود تأييد، حتى داخل أوساط من الحزب الديموقراطي، لإمكان اللجوء إلى تدخل عسكري أميركي في لبنان مستقبلًا إذا اقتضت التطورات ذلك.