لبنان يُرفع إلى طاولة القرار الأعلى في واشنطن: لحظة تُعيد رسم قواعد اللعبة

لبنان يُرفع إلى طاولة القرار الأعلى في واشنطن: لحظة تُعيد رسم قواعد اللعبة

(وكالة رويترز)

انطلق قطار "السلام والاستقرار" من واشنطن باتجاه لبنان، في تطوّر يُنظر إليه على أنّه من أكثر المسارات جدّية خلال السنوات الأخيرة، لما يحمله من دلالات سياسيّة تتجاوز الطابع الإجرائي، لتطال جوهر إعادة تموضع لبنان في المعادلات الإقليمية والدولية.

ووفق مصادر أميركيّة مطّلعة على مجريات اللقاءات في واشنطن، يقوم هذا المسار على مقاربة تهدف إلى فصل الملف اللبناني عن التشابكات الإقليمية، ولا سيّما عن المسار الإيراني، بما يفتح المجال أمام معالجة مختلفة يُراد من خلالها أن يتفاوض لبنان باسم مؤسساته الرسميّة ولحساب مصالحه المباشرة، بعيدًا عن أدوار الوساطة أو القوى الموازية للشرعية الدستورية.

وتُقرأ هذه المقاربة، رغم ما يرافقها من تحفظات أو تشكيك في بعض الأوساط اللبنانيّة، بوصفها تطورًا سياسيًا لافتًا يعكس توجّهًا أميركيًا نحو تعزيز دور الدولة اللبنانية ومؤسساتها الدستورية كمرجعية وحيدة لاتخاذ القرار. وتشير المصادر ذاتها إلى أنّ الهدف المركزي لهذا المسار يتمثل في إعادة طرح مفهوم السيادة، ضمن إطار يُربط بملف نزع سلاح "حزب الله" بوصفه أحد العناوين الأساسيّة المطروحة على الطاولة. 

وفي موازاة ذلك، لم يكن اللقاء التحضيري الثاني للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل، الذي عُقد في واشنطن مساء أمس بتوقيت بيروت، مجرّد اجتماع تبادل آراء، بقدر ما شكّل محطة سياسيّة لافتة ترافقت مع تطورات ميدانيّة متسارعة حملت رسائل متقاطعة. فقد تزامن انعقاد اللقاء مع عمليات عسكرية لـ"حزب الله" باتجاه مستوطنة شتولا، في توقيت اعتبره مراقبون بالغ الدقة، لما يعكسه من محاولة التأثير على مسار التفاوض، وإيصال رسالة مفادها بأنّ أي تسوية سياسيّة  لن تمر دون وجود الإيراني. 

وفي الكواليس، يبرز الدور المتنامي للسفير الأميركي لدى لبنان ميشال عيسى، الذي تصفه المصادر بأنّه أحد أبرز العقول المنسّقة لهذا المسار. إذ لا يقتصر تحرّكه على القنوات الديبلوماسية التقليديّة، بقدر ما امتدّ إلى اتصالات مكثفة داخل الإدارة الأميركيّة، وصولًا إلى مستويات عليا شملت لقاءات مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب، واجتماعًا حاسمًا مع وزير الخارجيّة ماركو روبيو قبيل انطلاق الجولة الثانية من المحادثات، ما يعكس مستوى الانخراط السياسي المباشر في إدارة هذا الملف.

وتشير المعطيات إلى أنّ الملف اللبناني بات يُدار ضمن أولوية مستقلة في أجندة واشنطن، بعد أن كان يُنظر إليه سابقًا كجزء من توازنات سوريّة وإيرانيّة. ويُعاد اليوم تقديمه كمسار تفاوضي منفصل، يُراد من خلاله الدفع نحو اختراق سياسي قد يساهم في إعادة صياغة موقع لبنان الإقليمي بعيدًا عن التعقيدات التقليدية.

وفي تطوّر لافت، تفيد المصادر بأن هذا المسار تم نقله إلى دائرة المتابعة المباشرة داخل البيت الأبيض، حيث تُسجّل متابعة رفيعة المستوى لتفاصيله، مع اعتماد آليات عمل مختلفة عن المسارات التقليدية، بما يعكس رغبة في إحكام إدارة التفاوض وصولًا إلى نتائجه النهائية، في إطار قد يتجاوز الطابع الإجرائي نحو إعادة تنظيم العلاقة بين لبنان وإسرائيل على أسس جديدة.

وفي السياق ذاته، يظهر وجود اتجاه لبحث أفكار تهدف إلى عزل لبنان عن التجاذبات الإقليمية وتسريع مسار السلام وربّما التطبيع. كما طرح الرئيس ترامب إعادة النظر في بعض القيود القانونية المرتبطة بالتطبيع، وهو ما يُعدّ من أكثر الملفات حساسية في الداخل اللبناني.

أما التطوّر الأكثر حساسيّة، فيتمثل في سيناريو محتمل لعقد لقاء في البيت الأبيض خلال الأسابيع المقبلة، قد يجمع رئيس الجمهورية اللبنانية جوزاف عون برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، في حال استمر المسار الحالي بالزخم نفسه. وفي حال حصوله، فإنّ هذا اللقاء لن يُنظر إليه كرجل "صهيوني" أم "خائن"، إنّما كتحوّل سياسي بالغ الدلالة، من شأنه أن يثير تفاعلات إقليمية ودولية واسعة، ويعيد رسم توازنات معقّدة بين القوى المؤثرة في الملف اللبناني.

وفي خلفية هذا المشهد، لا تخفي بعض العواصم المعنية بالملف، وفي مقدّمها فرنسا ومصر، امتعاضها من هذا المسار واتجاهاته، إذ ترى فيه تراجعًا لدورها التقليدي ومحاولة لإعادة هندسة الملف اللبناني بعيدًا عن الأطر التي اعتادت أن تكون جزءًا أساسيًا منها. وتقرأ المصادر الأميركيّة نفسها هذا التباين على أنّه تعبير عن صراع نفوذ مكشوف أكثر منه اختلافًا تقنيًا في المقاربات، في ظل سعي كل طرف إلى تثبيت حضوره داخل معادلة يُعاد رسمها من جديد على حساب أدوار قديمة لم تعد تملك الوزن نفسه.

ميدانيًا، تتجه الجهود في المرحلة الراهنة إلى تثبيت التهدئة عبر تمديد وقف إطلاق النار لثلاثة أسابيع إضافية، بناءً على طلب الرئيس ترامب موجّه إلى الجانب الإسرائيلي، على أن يترافق ذلك مع تأكيد الالتزام بعدم استهداف المدنيين، ولا سيّما الصحافيين، بهدف توفير بيئة أكثر استقرارًا تتيح استكمال المسار السياسي من دون انهيارات ميدانية قد تؤدي إلى إعادة خلط الأوراق على نطاق واسع.

اقرأ المزيد من كتابات كارين القسيس