حين تترك الدولة القرى المسيحية لمصير مجهول

 حين تترك الدولة القرى المسيحية لمصير مجهول

كنيسة علما الشعب

مشهد اهالي علما الشعب يتركون منازلهم وارزاقهم وينزحون، مؤلم ككل مشاهد النزوح التي يشهدها لبنان اليوم. لكن مع فارق اساسي، ان هؤلاء ليسوا معنيّين بالحرب الدائرة جنوبًا، ولا يريدون ان يكونوا جزءًا من صراع لا ناقة لهم فيه.  

معضلة القرى المسيحية الحدودية انها تعيش اليوم ما سبق ان عاشته طوال الحرب منذ عام 1975. يضاف الى ذلك كثير من العوامل المؤثرة. فاليوم يختبر ابناؤها ما سبق ان اختبره اباؤهم، في ان يكونوا عالقين بين فكّي كماشة. من جهة اسرائيل ومن جهة حزب الله. وهم عالقون اكثر من اي وقت مضى لانهم بقدر ما يرفضون ان يكونوا ضحية قرار حزب الله الدخول في حرب مع اسرائيل، بقدر ما يرفضون الدخول في اي علاقة، مهما كان نوعها مع اسرائيل. وهم عارفون ان اصوات نشازٍ ستصدر وتتهمهم بذلك، رغم حرصهم وابلاغ الجميع بانهم غير معنيين باي علاقة مع اسرائيل وتمسكهم بالدولة اللبنانية.

 لكن مشكلتهم كذلك ان الدولة  لا تتمسك بهم، وتصرّ كما يحصل منذ ايام، على ان تغيب عنهم. قرار اعادة التموضع الذي اتخذه الجيش ونسبه الى السلطة السياسية، قرار فيه غبن لاهالي المنطقة الحدودية، الذين يعانون منذ سنتين واكثر تبعات حرب لا علاقة لهم بها، في حرب الاسناد الاولى وحكمًا الثانية. 

قرار ابلاغ بلدة علما الشعب ان لا قدرة على حماية اهلها يحمل في طيّاته دلائل ومؤشرات كثيرة عن عجز دولة تتحدث منذ عام 2000 عن نيتها اعادة بسط سلطتها جنوبًا، وعن سلطة وحكومات متعاقبة، تؤكد منذ سنوات نيّة الالتزام بالقرارات الشرعية. والاهم عن سلطة يلتحق ابناء هذه القرى الحدودية بمؤسساتها الرسمية والامنيّة من جيش وقوى امن وامن عام، مؤكدين التزامهم بها. لكن عندما يشتدّ وقع المصيبة على هذه القرى، فانهم لا يجدون الى جانبهم سوى الفاتيكان الذي يتابع اخبارهم ويهتم بقضيتهم، ومؤسسات كنسية واجتماعية تقف الى جانبهم وترفدهم بالمساعدات وتتحدث باسمهم.

لكن الفاتيكان لا يملك جيوشًا، ولا يملك كذلك ما يمكن ان يحمي هذه القرى من تبعات ما يدور في المنطقة الحدودية من حرب عسكرية. يملك الفاتيكان سلطة الحوار مع عواصم القرى لتحييد القرى عن هذا الصراع، لكن الصراع اصبح يسكن في البلدات: والقوزح والقليعة وعلما الشعب نماذج، في اظهار ان الناس فيها تريد وقف النار، لكن النار تصل اليهم، موقعة ضحايا ومنذرة بالاسوأ.  

والاسوأ ان هناك من يريد تجاهل هذه القضية عمدًا، فيتحول الصراع طائفيًا بدل ان يكون وجوديًا يتعلق بسلطة اختارت عن قصد منذ سنوات  ان تغيب عن فرض هيبتها، ليدفع الناس ثمن هذا التقاعس من مؤسسات السلطة ومن الجيش الذي يريد ابناء المنطقة الا يصدّقوا انه تقاعس، لانه لا يزال يمثّل اليهم الامل الاخير، بدل ان يروه يلملم وجوده ويرحل عنهم.

اقرأ المزيد من كتابات هيام القصيفي