بري يمسك العصا من طرفها
حين اجريت الانتخابات البلدية والاختيارية في ايار الفائت، سرت التكهنات ان العهد الذي خَبِر اولى استحقاقاته لن ينأى بنفسه عن ضرورة اجراء الانتخابات النيابية بعد سنة من الانتخابات البلدية. لا سيما ان عمر العهد سيكون سنة وخمسة اشهر فيما الاستحقاق الاول جرى فقط بعد خمسة اشهر من الانتخابات الرئاسية، وبالكاد وضعت وزارة الداخلية تجهيزاتها لاجراء الاستحقاق. تدريجا بدأت الحكومة غير معنية باجراء الانتخابات النيابية او بارسال مشروع قانون الانتخاب الى المجلس النيابي الا بعد الضغط والمطالبات العلنية فاضطرت في تشرين الثاني الفائت الى ارسال مشروع قانون تعديلات على القانون. الى ان وصلنا اليوم الى مفترق اساسي، اذ تبدو الرهانات على اجراء الانتخابات النيابية او تأجيلها في اوجّها. جميع الاطراف راغبون في تأجيلها، لكن كل طرف يحاول ان يرمي الكرة في ملعب الآخرين. وهذا تمامًا ما يفعله الرئيس نبيه بري.
في عام 2022، بادر بري الى تسجيل ترشيحه في الثاني من آذار قبل شهرين من موعد اجراء الانتخابات. لم يعتبر اي طرف حينها ان ما فعله رئيس المجلس النيابي كان خطوة خارج السياق العام لا خطوة مبكرة ولا خطوة متأخرة، قبل اقفال باب الترشح باسبوعين. لكن عام 2026، وازمة الانتخابات عالقة في عنق الزجاجة، سارع بري الى اعلان ترشحه في 13 شباط الجاري اي بعد اقل من ثلاثة ايام على فتح باب الترشيح.
تقديم ترشيحه تزامن مع رأي هيئة التشريع، في شأن اقتراع المغتربين، الذي لم يستسغه بري فهاجمه، كما فعل رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل. خطوتا بري، تصبّان في الاتجاه نفسه، لا يريد بري ان يتحمّل مسؤولية تأجيل الانتخابات وهو العارف ان كلّ الاطراف يرغبون في الامر نفسه، فيحاول ان يبعد عنه اي مسؤولية علانية في ارجاء الاستحقاق، ليحمّلها الى القوى الاخرى. لا سيما انه يتوقف عند حرص رئيس الجمهورية جوزف عون واصراره في كل مناسبة على تأكيد ضرورة اجراء الانتخابات في موعدها، فيغمز من قناته مؤكدًا الحرص على عدم جواز تعطيل العهد في اول انطلاقته. وكلاهما رئيس الجمهورية والحكومة، ووزير الداخلية احمد الحجار ضمنًا، يرميان الكرة في ملعب المجلس النيابي. ليردّ رئيس المجلس ويتصرف وكأن الانتخابات حاصلة في موعدها. وكلما زادت تصريحاته عن اجراء الاستحقاق في موعده، تضاعفت الشكوك حول الموعد المحدد.
كل ذلك، فيما النقاشات الانتخابية الاساسية لا تزال عند المربع الاول منذ ان طرحت في ايلول الماضي فكرة التأجيل لسنتين. بري نفسه مرتاح الى هذه الصيغة، التي توفّر الكثير من المطبات الداخلية، خلال مرحلة التحضير للانتخابات وبعدها. اما القوى السياسية الاخرى فلا تزال تنتظر الايعاز الخارجي، الذي يدرس منذ اشهر هذا الاقتراح ولم يحسمه بعد.