الراعي يرفض الاستقالة ومشكلة الكنيسة لا يحلّها بطريرك جديد
الراعي ( عن موقع البطريركية المارونية)
حتى الايام الاخيرة كان البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي يرفض رفضًا باتًا اي كلام حول استقالته تلميحًا او مباشرة، او مقاربة الموضوع تحت اي ذريعة او اسباب موجبة. كل ما يقال عن طلب الفاتيكان منه الاستقالة صراحة، ليس دقيقًا. لكن الاستقالة حديث الساعة في الفاتيكان وفي دوائر الكنيسة، وخصوصًا لدى المرشحين لخلافة الراعي، حتى اصبح اكثرية المطارنة العاملين مرشحين وليسوا ناخبين فحسب، ومن المبكر وفق ذلك رسم خريطة واضحة للتحالفات التي تؤدي الى حسم اي اسم، عدا عن تدخل المرجعيات السياسية والمصرفية.
من طرابلس الى الجنوب وبيروت وجبيل وانطلياس والبترون والبقاع الى الاغتراب من كندا الى استراليا، معظم المطارنة والجزء الاكبر منهم جاء بهم الراعي نفسه، اصبحوا مرشحين ويتحركون علانية ومن دون انتظار الاستقالة المكتوبة والعلنية. وقد شهدت الاشهر القليلة الماضية حراكًا غير مسبوق في لبنان لاحد مطارنة الاغتراب فبدعم من كبار المصرفيين. واذا كانت المفارقة ان سياسيين يتدخلون في اختيار الخليفة البطريركي، فان اللافت كذلك ان كلاما كنسيّا يتحدث عن ان رئيس الجمهورية جوزف عون، يتدخل لصالح احد المرشحين الذي تذكّيه مرجعية رئاسية سابقة غير مسيحية. وهذا الامر خلق بلبلة في الدوائر الكنسية، في انتظار نفي صريح من بعبدا حول هذا الامر.
الراعي مصرّ حتى الساعة على عدم الاستقالة، ويتكىء في موقفه كذلك على رفض بطريرك السريان الكاثوليك مار اغناطيوس يوسف الثالث يونان الاستقالة رغم طلب الفاتيكان منه صراحة ذلك. كلاهما يساندان بعضهما البعض.
قد تكون خلاصة دوائر كنسية ان لا شيء يمكن ان ينقذ الكنيسة سوى مدبّر رسولي ومجمع يفضي في نهاية الامر الى اختيار خليفة للراعي. لكن المشكلة بحسب العارفين ببواطن بكركي ومؤسساتها ان اختيار بطريرك جديد، لا يمكن في ظل التدهور الذي تعيشه الكنيسة منذ سنوات ان يكون هو وحده الحلّ.
سيحتاج اي بطريرك جديد من خانة الجيّدين، الى ما لا يقلّ عن ثلاث سنوات واكثر حتى يعيد هيكلة المؤسسات الكنسية. لان ما تخرّب خلال السنوات الماضية صار صعبًا اصلاحه بشهور قليلة، ولم يعد صالحًا ان يكون ركيزة اي برنامج كنسي شامل. كل المؤسسات الكنسية في حاجة الى اصلاح، من رهبانيات واكليركيات ومؤسسات مدنية وكنسية وقضائية وثقافية ومراكز ابحاث وجامعات ومدارس ومستشفيات، كل ما يتعلق بالكنيسة ومؤسساتها مصاب في الصميم وفي حاجة الى ورشة كبيرة للانقاذ. هذا اذا توافرت النيّة، وليس المقصود نيّة استبدال بطريرك بآخر، بل باستعادة وهج الكنيسة. فالبطريرك الراحل ما نصرالله بطرس صفير، ترك ارثًا وطنيًّا ومارونيّا. اما اليوم فمعالجة الكنيسة للشؤون الوطنية والكنسية، كانت في حدّها الادنى، فيما كبرت في المقابل الحاجة الى نفضة كبرى في جميع المؤسسات بعيدًا عن المحسوبيات الكنسية والمصرفية ورجال وسيدات الاعمال. ولعل كل مؤسسة تحتاج الى جهد سنوات لانقاذها من الترهل والفساد والانهيار وبعضها لم يعد له اي دور يذكر.
استبدال بطريرك بآخر، ليس هو المطلوب، بل المطلوب خريطة طريق، بعد ان يتمّ الاختيار الجيّد لبطريرك قادر ان يعيد الروح القدس الى الكنيسة المارونية....هذا اذا قدّم الراعي استقالته.