ما وراء الالحاح الاوروبي للبقاء في الجنوب

ما وراء الالحاح الاوروبي للبقاء في الجنوب

القوات الدولية في الجنوب ( عن موقع اليونيفيل)

اذا كان مفهومًا لماذا يتمسك لبنان ببقاء قوات اوروبية في الجنوب، بعد انتهاء عمل القوات الدولية، فان الالحاح الاوروبي للبقاء باي ثمن في لبنان، يبدو مثيرًا للتساؤل في ضوء تصميم عدد من الدول الاوروبية على التمسك بهذا الوجود.

وفي وقت تسعى الولايات المتحدة الى تخفيف وجودها العسكري في منطقة الشرق الاوسط، تريد دول اوروبية البقاء في جنوب لبنان، بعد انتهاء عمل وحداتها العاملة ضمن القوات الدولية في الجنوب وتحت رعاية الامم المتحدة.

واذا كان التفتيش عن مظلة دولية او اوروبية للبقاء في الجنوب، والتعويل على مطالبة لبنان بعمل هذه الوحدات، فان دولا كفرنسا واسبانيا وايطاليا  تريد ترجمة حضورها على الضفة الثانية من المتوسط من خلال عمل قوات عسكرية.

يمثل لبنان اذًا الجهة الثانية من الحوض المتوسطي الذي تسعى دول اوروبية الى تشكيل شراكة اسراتيجية في ما بينها حوله. وفرنسا من بين الاوروبيين، مثال حيّ على ذلك، تريد ابقاء موطىء قدم لها في منطقة الشرق الاوسط، ولبنان يمثّل هذه المساحة التي على اساسها يمكن تكريس الحضور الاوروبي. فهو، ورغم كل التحولات التي عاشها، لا يزال يشكّل بوابة الدخول الى منطقة الشرق الاوسط،  اي الى سوريا والاردن والعراق عدا عن اسرائيل. وهو المساحة التي على اساسها يصبح حيويّا تشكيل وجود استراتيجي مقابل الحضور الاميركي السياسي والامني في المنطقة. وهو ايضا النافذة التي يمكن من خلالها لدول متوسطية باحثة عن دور رسم سياسة خارجية مبنيّة على تقاطعات عربية واقليمية انطلاقا من رعايتها لوجود عسكري لا تزال هويته مبهمة.

والبحث عن ذريعة للوجود مقابل الحضور الاميركي النافذ، تبرّره فرنسا على سبيل المثال. اذ مع وجودها من ضمن القوات الدولية ومشاركتها في عمل ديبلوماسي حثيث مع دول عربية كالسعودية وقطر، اظهرت الولايات المتحدة بكل وضوح رغبتها في اخراج فرنسا من اي معادلة ديبلوماسية او عسكرية في الميكانيزم وتقزيم دورها في نسج ترتيبات بين لبنان واسرائيل وواشنطن.  فكيف الحال اذا اصبحت فرنسا خارج الحضور الميداني من الجنوب وهو فاعل منذ عام 1978 وحتى اليوم. ما يعني تلقائيا تحجيم دورها والانتفاء الحاجة اليه.

وحال اسبانيا وايطاليا على اختلاف علاقتهما مع الولايات المتحدة، هي نفسها. 

لكن البحث الاوروبي لا يزال يقف عند حدود ما تقبل به واشنطن وما ترفضه. ما تقبل به واشنطن مثلا لفرنسا الاكتفاء بدورها المستمدّ من تاريخ وجودها في رسم حدود سايكس بيكو هو العناية بخرائط الحدود اللبنانية السورية. اكثر من ذلك، حددته واشنطن في تقزيم دور فرنسا في الميكانزيم، وفي الحوار مع اسرائيل. ولن تكون الدول الاخرى افضل حالًا. 

تعوّل الدول المعنية على رغبة لبنان في ابقاء مظلة اوروبية، لتثبيت مطالبتها بابقاء وجودها. لكن لبنان هو الحلقة الاضعف بين ما ترحّب به واشنطن وتل ابيب، وكلاهما ليسا اليوم في وارد تعزيز دور اوروبي يعتبرانه دوما منحازًا الى ما لا يخدم مصالح اسرائيل. 

اقرأ المزيد من كتابات هيام القصيفي