استراتيجيّة برّي: لبنان لا يدخل المفاوضات إلاّ من موقع القوّة
لقاء عون وبرّي
ما إن أطلق المتحدّث باسم الجيش الإسرائيلي، أفيخاي أدرعي، تصريحه في الثاني عشر من آذار، داعيًا أهالي الضاحية الجنوبيّة إلى التوجه نحو مناطق جبل لبنان، حتّى تسلّل القلق سريعًا إلى وجدان بعض اللبنانيين، وبدأت الهواجس تتكاثر، وتتقاطع معها سيناريوهات قاتمة عن نزوح قد لا يكون عابرًا هذّه المرة، بل مفتوحًا على احتمالات البقاء، في بلد اعتاد أن يتحوّل فيه الموقت إلى واقع دائم.
وبينما كانت الأجواء تميل إلى قدر من الهدوء الحذر، جاء قرار رئيس الحكومة، نواف سلام، بإنشاء مخيم موقت للنازحين في الكرنتينا، على تخوم مرفأ بيروت، ليُعيد إشعال المخاوف دفعة واحدة، ويوقظ ذاكرة جماعيّة مثقلة بالجراح. فبالنسبة لأبناء الأشرفيّة والرميل، لم يكن القرار في مكانه الصحيح. ومع تصاعد الاعتراضات، تراجع سلام عن القرار، تفاديًا لانزلاق داخلي خطير.
غير أنّ خطورة المشهد لم تكمن في القرار في حدّ ذاته فحسب، إنّما في ما كشفه من هشاشة كامنة في التوازنات الداخليّة، وسرعة اهتزاز الثقة بين مكونات المجتمع اللبناني عند أوّل اختبار جدّي. ومن هنا برز دور رئيس مجلس النواب، نبيه برّي، الذي وجد نفسه في موقع بالغ الدقة، بين وجع بيئته التي تعاني النزوح وتبحث عن ملاذ آمن، ومسؤوليته الوطنيّة في درء انزلاق البلاد إلى فتنة داخلية لا تُبقي ولا تذر. فالرجل، الذي راكم خبرةً طويلة في إدارة الأزمات، يدرك أنّ أخطر ما قد يواجهه لبنان في هذه المرحلة الحسّاسة هي احتمالات الانقسام.
وانطلاقًا من هذا الإدراك، سارع برّي إلى زيارة رئيس الجمهورية، جوزف عون، في خطوة حملت أبعادًا تتجاوز الشكل البروتوكولي. وبحسب مصادر مطلعة، علم "كافيين دوت برس" أنّ اللقاء تمحور حول أولويّة صون الوحدة الوطنيّة، وضرورة تحصين الجبهة الداخليّة في مواجهة أي محاولات لزرع الفتنة.
وفي موازاة ذلك، عكس موقفه الرافض لتسمية شخصيّة شيعيّة للمشاركة في الوفد المفاوض مع إسرائيل في رؤية سياسيّة تقوم على رفض الزجّ بلبنان في مفاوضات تحت الضغط. فالتفاوض، وفق برّي، لا يكون فعالًا إلاّ إذا استند إلى وحدة داخليّة صلبة، وإلى حد أدنى من التوافق الوطني الذي يمنح الدولة القدرة على التفاوض من موقع النديّة، لا من موقع الاضطرار أو التراجع.
ومن هنا، يطرح برّي مقاربة بديلة تستند إلى العودة إلى المرجعيات الدوليّة القائمة، وفي مقدمتها القرار 1701، وتفعيل الآليات التنفيذية المرتبطة به، انطلاقًا من أنّ الأولوية يجب أن تكون لوقف الاعتداءات الإسرائيليّة وانسحاب القوّات المتوغلة، قبل الانخراط في أي مسار تفاوضي. فلبنان، وفق رؤيته، لا يمكنه أن يُفاوض فيما أرضه تُستباح وبناه التحتيّة تُستهدف، لأنّ ذلك يضعه حتمًا في موقع الضعف.
ولا يغفل عنه في مقاربته البعد الشعبي للأزمة، إذ يُراهن على وعي اللبنانيين وقدرتهم على تجاوز اللحظات الحرجة من خلال التمسّك بوحدتهم. فقد أثبتت التجارب السابقة أنّ الانقسام الداخلي يشكل المدخل الأخطر لأي اختراق خارجي، في حين يمثل التماسك الوطني الدرع الأكثر فاعلية في مواجهة التحديات.
وعلى الصعيد الأمني، جاء لقاؤه مع وزير الداخليّة والبلديّات، أحمد الحجار، ليُؤكد هذا التوجه، حيثُ أفادت المصادر المطلعة نفسها بأنّ برّي شدّد على ضرورة رفع مستوى الجهوزيّة وتعزيز المراقبة الاستباقيّة، بما يضمن ضبط أي توتر محتمل ومنع تحوله إلى صدامات على الأرض. فالسلم الأهلي، بالنسبة إليه، هو الشرط الأساسي لبقاء الدولة واستمرارها.
إنّ الرهان لا ينحصر في احتواء تداعيات قرار أو امتصاص صدمة تصريح، إنّما يتجاوز ذلك إلى حماية الكيان اللبناني نفسه من الانزلاق نحو المجهول.