عيسى في بعبدا : الساعات المقبلة قد تحمل تحوّلات
رئيس الجمهورية والسفير عيسى
ما يُهمس في الكواليس غالبًا ما يتجاوز في خطورته ما يُعلن على المنابر. ففي لحظة إقليميّة ودوليّة مشحونة بالتوتر، حيث تتكئ هدنة هشّة على حافة الانهيار تحت وطأة الخروقات المتكررة، عاد السفير الأميركي لدى لبنان، ميشال عيسى، مساء السبت، حاملًا بجعبته مؤشرات واضحة على مرحلة جديدة قد تعيد رسم قواعد الاشتباك، سياسيًا وأمنيًا، في بلد يقف على تخوم التعقيد.
وفي هذا الإطار، كشفت مصادر متابعة لتحرّك عيسى لـ"كافيين دوت برس" أنّ الأخير يستعد لعقد اجتماع مرتقب خلال الساعات القليلة المقبلة مع رئيس الجمهورية جوزف عون، لوضعه في صورة ما دار في واشنطن بدقة وتفصيل. خطوة تعكس حجم الحساسيّة التي تكتنف المرحلة، وثقل الملفات المطروحة على الطاولة. غير أنّ الأهمية لا تكمن فقط في مضمون اللقاء، إنّما في الاتجاهات التي يحملها لبنان الرسمي في مقاربته للأزمة.
وتشير المصادر نفسها إلى أنّ الدولة اللبنانية تتجه، عبر القنوات الديبلوماسيّة أي عبر عيسى، إلى طلب تمديد الهدنة، معتبرةً أنّ مهلة الأيام العشرة غير كافية للانخراط في مفاوضات مباشرة مع إسرائيل، لا سيما في ظل استمرار الخروقات في الجنوب. إذ إنّ هذه الخروقات لا تقتصر تداعياتها على زعزعة الاستقرار الميداني، بقدر ما تمسّ جوهر أي مسار تفاوضي جدي، وتقوّض فرص بنائه على أسس صلبة.
هذا التوجّه يلتقي مع مواقف داخلية وازنة، من بينها ما عبّر عنه الرئيس السابق للحزب التقدمي الاشتراكي، وليد جنبلاط، الذي شدّد على أنّ أي لقاء مباشر مع إسرائيل ينبغي أن يكون نتيجة مسار تفاوضي متدرّج وطويل، لا نقطة انطلاقه. موقف يعكس وعيًا عميقًا بحساسية اللحظة، وخطورة القفز فوق المراحل في سياق إقليمي بالغ التعقيد.
بالتوازي، تفيد المصادر بوجود تنسيق مستمر بين عون ورئيس مجلس النواب نبيه بري، إلى جانب تواصل طبيعي مع جنبلاط، ما يوحي بمحاولة بلورة مقاربة موحّدة، أو على الأقل منسّقة، لإدارة هذا الملف الشائك وبالتالي محاولة تكتسب أهمية مضاعفة في بلد لطالما دفع أثمان انقساماته الداخلية قبل أي عامل آخر.
غير أنّ مصدر القلق الأبرز يتجاوز الساحة اللبنانية إلى ما هو أبعد. فبحسب مصادر ديبلوماسيّة رفيعة المستوى، تتزايد المخاوف من انعكاس الانقسام المتصاعد داخل إيران على الساحة اللبنانية، وتحديدًا ضمن البنية التنظيمية لـ"حزب الله"، معتبرةً أنّ الخلاف في طهران لم يعد مجرد تباين في وجهات النظر، بل تحوّل إلى صراع واضح بين مسارين: مسار براغماتي يسعى إلى إعادة التموضع وتقليص الخسائر، وآخر أيديولوجي متشدد يرفض أي تنازل ويراه انحدارًا استراتيجيًا غير مقبول.
وتخوفت المصادر من أنّه وفي حال تسرّب هذا الانقسام إلى الداخل اللبناني، فإنّ بيروت ستكون أمام سيناريو بالغ الخطورة، لا يقتصر تأثيره على مستوى القرار السياسي، إنّما يمتد إلى البيئة الحاضنة، والشارع، وربما إلى الأمن.
وتضيف "الأخطر أنّ بعض المؤشرات بدأت تخرج إلى العلن، عبر تصريحات إيرانيّة طالت الرئيس بري بنبرة انتقادية حادة، وصلت حدّ التهديد، إلى جانب مواقف متشددة من شخصيات بارزة مثل علي أكبر ولايتي، تتناول رموزًا لبنانية بحجم الرئيس رفيق الحريري. وهي إشارات لا يمكن التعامل معها بخفة، بل تتطلب قراءة عميقة لتفادي الاسوأ داخليّا".