"عين ترامب" في بيروت: ميشال عيسى مهندس التحوّل الأميركي في الملف اللبناني

 "عين ترامب" في بيروت: ميشال عيسى  مهندس التحوّل الأميركي في الملف اللبناني

ميشال عيسى

لم يشهد التاريخ الحديث للولايات المتحدة الأميركيّة انفتاحًا لافتًا على شخصيات من أصول لبنانيّة كما يشهده اليوم، في مرحلة بدت فيها إدارة الرئيس دونالد ترامب أكثر ميلًا إلى مقاربة الملف اللبناني بمنظور يتجاوز الأطر الديبلوماسيّة التقليديّة، نحو رؤية تتداخل فيها الاعتبارات الثقافيّة والعائليّة. إذ لم تكن المصادفة التي جمعت ابن كفرعقّا في الكورة بكريمة ترامب في اليونان مجرّد لقاء تعارفي ثمّ زواج أثمر حفيدًا لبنانيًا، بقدر ما تحوّلت إلى نقطة انطلاق لمسار مختلف أسهم في إعادة إدراج لبنان ضمن أولويات الاهتمام داخل دوائر القرار في واشنطن، ومنحه بُعدًا استثنائيًا لم يحظ به منذ سنوات طويلة.
 هذا التحول تُرجم عمليًا في خطوة غير مألوفة تمثّلت في تعيين مايكل عيسى (كما يناديه ترامب) سفيرًا للولايات المتحدة لدى لبنان، رغم خروجه عن المسار الديبلوماسي الكلاسيكي. غير أن هذا "الخروج  عن الأطر النظاميّة" عكس جوهر الفلسفة السياسيّة التي يتبناها الرئيس الأميركي، القائمة على كسر القوالب الجامدة، والاعتماد على شخصيات يثق بها شخصيًا، حتّى لو لم تكن من صلب المؤسسة البيروقراطية التقليدية. وفي هذا الإطار، برز الدور المؤثر لوالد صهره ومستشاره مسعد بولس، الذي أسهم بفعاليّة في توجيه القرار نحو اختيار شخصيّة تمتلك فهمًا عميقًا لتعقيدات الواقع اللبناني، استنادًا إلى خبرة مزدوجة تجمع بين الانتماء والاغتراب. وقد اقترح بولس على ترامب تعيين عيسى، الذي تجمعه به علاقة صداقة وثيقة وثقة راسخة، فضلًا عن كونه من الدائرة المقرّبة من ترامب.
 غير أنّ الرهان على عيسى يتجاوز مسألة الأصول اللبنانيّة، ليصل إلى أبعاد أعمق تتصل بشبكة علاقاته الواسعة، وخبرته التراكمية في بيئات متعددة، وقدرته الاستثنائية على التحرك بين عالمين متباينين: عالم القرار الأميركي الصارم، وعالم الواقع اللبناني الهشّ والمتشابك. هذه الازدواجيّة وضعته في موقع فريد أقرب إلى "وسيط استراتيجي" قادر على تفكيك العقد، وابتكار مسارات جديدة للحلول، لا سيّما في الملفات المعقدة التي تتطلب دقة عالية، وفي مقدمتها الاستقرار الأمني من خلال نزع سلاح "حزب الله"، وإعادة بناء مؤسسات الدولة، وإدارة التوازنات الإقليمية الحساسة.
 
 هوية راسخة تتجاوز الجغرافيا
 
هاجر العديد من اللبنانيين في مراحل مبكرة من أعمارهم، وانشغلوا بتحديات الحياة في بلدان الاغتراب، ممّا أدى تدريجيًا إلى ابتعاد بعضهم عن لغتهم الأم، أو إلى اكتسابهم لغة عربيّة محدودة ممزوجة بتعابير غير سليمة. غير أنّ عيسى، وعلى الرغم من مغادرته لبنان في مرحلة مبكرة من حياته وتنقّله بين فرنسا والولايات المتحدة الأميركيّة، لم ينقطع ارتباطه بلبنان يومًا. فقد بقي على تماسّ دائم مع الشأن اللبناني، متابعًا أدق تفاصيله، ومنخرطًا في لقاءات سياسيّة وفكرية مع شخصيات من الجالية اللبنانية، ولا سيما في الأوساط اليمينية المسيحية، حيثُ سعى إلى بلورة رؤية عمليّة لدعم لبنان في أزماته المتلاحقة ومواجهة تعقيداته البنيوية، وبالتالي كان تمسّكه باللغة العربية في تلك اللقاءات تعبيرًا عن هويّة راسخة، وتجسيدًا لوعي عميق بالانتماء الثقافي، ورغبة واضحة في الحفاظ على صلة وجدانية حيّة مع الوطن الأم، رغم المسافة الجغرافية وطول سنوات الاغتراب.
أمّا اليوم، فإن الدور الذي يؤديه يتجاوز بكثير حدود التمثيل الديبلوماسي التقليدي، ليقترب من نموذج "الإدارة الميدانيّة" للملف اللبناني من زاوية أميركيّة. فهو لا يتحرك كسفير فحسب، إنّما كعين مباشرة للرئيس ترامب في بيروت، يراقب التطورات، ويتابع التفاصيل الدقيقة، ويتدخل عند الحاجة، ويطرح مبادرات تتسم بالجرأة والمرونة في آن معًا. وقد نجح، في فترة وجيزة، في إحداث خرق في جدار الجمود السياسي، عبر تنشيط قنوات التواصل بين الأطراف المتنازعة، والدفع نحو مقاربات أكثر واقعية للحلول، مستفيدًا من ثقة مباشرة من البيت الأبيض ومن شبكة علاقاته المتشعبة في الداخل اللبناني.

ما يقوم به عيسى، بحسب أحد المقربين منه، يمكن وصفه بالعمل الاستثنائي، إذ يسعى إلى إحداث تغيير نوعي في طريقة تعاطي البيت الأبيض مع لبنان. فهو يعمل على نقل العلاقة من مستوى إدارة الأزمات إلى مستوى التقاط الفرص، انطلاقًا من إدراكه أنّ المرحلة الراهنة، في ظل الإدارة الحالية في الولايات المتحدة، قد لا تدوم بالزخم نفسه، وأنّ أي إدارة أميركيّة لاحقة قد لا تولي الملف اللبناني القدر ذاته من الاهتمام أو الأولوية، الأمر الذي يستدعي استثمار اللحظة الراهنة لتعزيز موقع لبنان وتحصين مصالحه.

ويضيف المصدر نفسه أنّ هذه المقاربة، إن كُتب لها الاستمرار، قد تفتح الباب أمام مرحلة جديدة تعيد رسم موقع لبنان في الخريطة الإقليمية والدولية.
 ومع ذلك، تبقى هذه اللحظة محمّلة بالاحتمالات. فوجود شخصيّة مثل عيسى، تجمع بين الثقة الأميركيّة والانتماء اللبناني، يشكّل فرصة نادرة لإعادة لبنان سويسرا الشرق، وإعادة صياغة العلاقة بين لبنان والمجتمع الدولي على أسس أكثر واقعية وفعالية. غير أنّ نجاح هذه التجربة يبقى مرهونًا بقدرة لبنان الرسمي على التفاعل الإيجابي مع هذه الديناميّة الجديدة، إذ إنّ مستقبل لبنان لا يُصنع في الخارج وحده، بل يبدأ من الداخل، من قدرته على تحويل اللحظات السياسيّة النادرة إلى مشاريع وطنية مستدامة. فالتاريخ لا يمنح الفرص مرتين بسهولة، ومن يُحسن قراءتها هذه المرّة هو وحده القادر على صناعة الفارق.
 

 

 

 

 

 


 

اقرأ المزيد من كتابات كارين القسيس