عودة النازحين السوريين تفقد زخمها: القوات ترى القضية غير مخيفة استراتيجيًا والتيار يعدّ لتحركات حولها

عودة النازحين  السوريين تفقد زخمها:  القوات ترى القضية غير مخيفة استراتيجيًا والتيار يعدّ لتحركات حولها

على مدى سنوات، تصدّر ملف النزوح السوريّ النقاش السياسيّ والنيابيّ في لبنان، إلا أن حضوره تراجع في الفترة الأخيرة. وفي وقت يستمر العمل في برنامج العودة الطوعية، وأعلنت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين تقديم 100 دولار لكل فرد مؤهل للعودة إلى سوريا، إضافة إلى 300 دولار لبعض العائلات الأكثر هشاشة والمؤهلة. وبين استمرار إجراءات العودة وتراجع حضور الملف سياسيًا، يُطرح السؤال: لماذا غابت عودة النازحين عن صدارة النقاش في هذه المرحلة؟

 

عطالله: الملف تراجع لدى الدولة لا لدى "التيار"

عضو تكتل "لبنان القوي" النائب جورج عطالله يرفض القول إن الاهتمام بالملف تراجع لدى التيار الوطني الحر، ويقول في حديث لـ"كافيين دوت برس" ان "الملف لم يتراجع إلا لدى الدولة اللبنانية أو السلطة السياسية، لأنها أساسًا لم تتعاطَ معه بالجدية المطلوبة، بدءًا من المقاربة الوطنية، مرورًا بخطة العودة، وصولًا إلى إجراءات التنفيذ والإجابة عن الأسئلة التي قدّمناها بهذا الخصوص. فالحكومة لا يعنيها هذا الموضوع كما يجب، ومن الواضح أنها تقاربه وفق مصلحة الدولة السورية والمجتمع الدولي."

ويؤكد عطالله استمرار تحركات "التيار" النيابية، مشيرًا إلى توجيه أكثر من سؤال إلى الحكومة حول الملف، ولا سيما في شأن أعداد العائدين والباقين في لبنان، ويقول: "الفضيحة الكبيرة هي أن هناك فارقًا كبيرًا بين أرقام وزارة الشؤون الاجتماعية وأرقام وزارة الداخلية، وقد أثرنا هذا الأمر في اليوم الأول من الجلسة العامة الأخيرة."

ويرفض عطالله خطة الحكومة لعودة النازحين، معتبرًا أنها "فشلت في شكل ذريع، لأنها وُلدت أساسًا ضعيفة جدًا ومنقوصة وميتة"، وينتقد الدور الممنوح للمفوضية فيها "كانت مشكلتنا طوال الفترة الماضية مع المفوضية السامية لشؤون اللاجئين وسياستها في معالجة ملف النزوح السوري، لأنها كانت، في رأينا، تعمل على إبقائهم في لبنان، ثم جاءت الخطة ووضعتها ضمن الجهات المسؤولة عن تنفيذها ومتابعة عودتهم إلى بلدهم."

كذلك يعترض على اعتماد العودة الطوعية من دون تحديد إطار زمني ملزم، ويقول: "السوري هو من يبدي رغبته في العودة، وهو من يحدد متى يريد العودة. قد يأتي بعد فترة ويقول إنه يريد العودة بعد ستة أشهر أخرى، ولذلك نعتبر أن الخطة جاءت قاصرة جدًا عن معالجة مشكلة بهذا الحجم."

ويرى عطالله أن سقوط النظام يفترض أن يسرّع العودة "الأسباب الثلاثة التي كانوا يتذرعون بها للبقاء في لبنان انتفت: السبب العسكري لأن الحرب توقفت، والسبب الأمني مع سقوط النظام الذي كانوا يقولون إنهم يخافون منه، والسبب الاقتصادي مع رفع العقوبات عن سوريا." ويحمّل في المقابل المجتمع الدولي جزءًا من مسؤولية استمرار الملف، إذ "كان يقول لسنوات إن الظروف غير مناسبة للعودة، كما أن المؤتمرات الدولية كانت تطلب من الدول المضيفة، ومنها لبنان، العمل على دمج النازحين في المجتمعات المحلية."

وعن قرار المفوضية تقديم مئة دولار لكل نازح مؤهل للعودة إلى سوريا، يشكك عطالله في فاعلية هذا الحافز وتمويله "المجتمع الدولي لم يؤمّن هذا المبلغ للحكومة، وبالتالي إذا وافق بعض السوريين على العودة، فعلى الدولة أن تدفعه من خزينتها. وحتى لو تأمّن، فإن السوري في لبنان يستطيع أن يحصل على أكثر من 600 دولار، فلماذا سيعود من أجل مئة؟ وهذا دليل على عدم جدية الحكومة في خطتها."

وعلى الصعيد التشريعي، يشير عطالله إلى أن "التيار قدّم اقتراحات قوانين في مجلس النواب لمعالجة ملف النزوح، وآخرها إعطاء مهلة ستة أشهر لإعادة جميع النازحين إلى بلادهم"، إلا أن "مجلس الوزراء لا يوافق عليها، ومجلس النواب لا يضعها على جدول الأعمال". ويعزو ذلك إلى مواقف القوى السياسية، معتبرًا أن "الطرف الشيعي كان يتهرّب من مواجهة الموضوع تحت عنوان عدم تصوير المعركة على أنها سنّية - شيعية، فيما اعتبرت بقية القوى الدرزية والمسيحية والسنية أنهم يشكّلون تحالف معهم." 

ويتحدث أيضًا عن اقتراح لمنع إعطاء وثيقة مكتوم القيد في حالات محددة منذ عام 2011، بعد رصد ما يصفه بمحاولات تحايل قد تفتح الطريق أمام طلب الجنسية اللبنانية.

ويربط عطالله ملف النازحين بالنقاش الدائر حول قانون العفو "نرى الآن "مسخرة" العفو، التي كان أحد أسباب طرحها تسليم سوريين مرتكبين وقاتلين للجيش اللبناني إلى السلطات السورية، فأصبح اللبنانيون يقولون: إذا كنتم ستفرجون عن السوري، فلماذا لا تفرجون عن اللبناني؟"

وعن خطوات "التيار" المقبلة، يقول عطالله: "طلبنا من رئيس مجلس النواب عقد جلسة لمساءلة الحكومة، وسنقدم طلبًا خطيًا بهذا الخصوص، كما نحضّر لمؤتمرات في المناطق لتهيئة الناس للتحرك، لأننا نريد النزول إلى الأرض في هذا الموضوع."

 

الحاج: الخطر لم يعد كما كان

في المقابل، يقرأ عضو تكتل "الجمهورية القوية" النائب رازي الحاج تراجع حضور الملف من زاوية مختلفة، معتبرًا أن طبيعة الخطر تغيّرت بعد التطورات الأخيرة في سوريا. ويقول: "هناك حفلة تزوير للحقائق تقودها بعض الأطراف التي تجد نفسها خارج الحياة السياسية، وتحاول العودة من خلال نبش القبور لخلق شعبوية، رغم أن الموضوع يُعالَج ويسير على السكة الصحيحة."

وفي معرض تأكيده أن "القوات اللبنانية" لم تغب عن الملف، يعود الحاج إلى بداية الأزمة السورية "منذ بداية النزوح السوري، في عامي 2011 و2012، كنّا من أوائل من طالبوا بضبط هذا النزوح، وألّا يكون هناك تفلّت في دخول النازحين السوريين إلى لبنان من دون حسيب أو رقيب."

ويشير إلى أن "القوات" طالبت آنذاك بإنشاء مخيمات على الحدود، قبل أن توسّع تحركاتها في الداخل والخارج: "قدّمنا عرائض إلى الأمم المتحدة والمفوضية السامية لشؤون اللاجئين، وعقدنا اجتماعات معها، ووصلنا إلى المطالبة بإقفال مكاتب المفوضية إذا لم تُتخذ إجراءات في اتجاه خفض النزوح. وقمنا بزيارات ومراجعات نيابية، وقدّمنا اقتراحات قوانين، وراجعنا وزارات الداخلية والتربية والعمل للمطالبة بتشديد تطبيق القوانين، ولا سيما قانونَي الإقامة والعمل."

ويشير الحاج إلى دور البلديات، معتبرًا أن قانون البلديات يمنحها صلاحيات يمكن استخدامها لتنظيم بعض جوانب الوجود السوري في نطاقها".

أما بعد سقوط النظام السوري، فيرى الحاج أن المعطيات تبدّلت، مشيرًا إلى استمرار متابعة الملف رسميًا "مع سقوط النظام وعودة سوريا إلى حياة طبيعية، وفي ظل الدعم الدولي لإعادة الإعمار والاستثمار، تابعنا الملف مع وزارة الشؤون الاجتماعية ورئيس الحكومة، وشُكّلت لجنة وزارية لمتابعته."

ويعتبر أن هذه التحولات غيّرت طبيعة المخاوف المرتبطة بالنزوح "اليوم أصبحت المقاربة أكثر موضوعية، فالعمل مستمر، لكن خطر توطين السوريين في لبنان لم يعد قائمًا كما في السابق. فقد انتهت الحرب، وباتت العودة ممكنة، بعدما كان السوري الذي يعود إلى بلاده قد يتعرّض للاعتقال أو التعذيب أو القتل، أما اليوم فتغيّرت سوريا."

وفي حديثه عن المخاطر التي يراها قائمة على لبنان، يحذّر الحاج "إذا بقي هؤلاء "الدجالين" يعطّلون البلد، ويأخذون مع حلفائهم لبنان من حرب إلى أخرى، فأخشى أن يصبح اللبنانيون هم النازحين في سوريا."

أما على الأرض، فيقول "نحن نواب موجودون على الأرض ولسنا نواب تنظير، ونرى في القرى والبلدات أن الكثافة السورية لم تعد كما كانت، وأن أعدادًا منهم تعود إلى سوريا، كما أن هناك خطة حكومية لعودة النازحين."

ويلفت الحاج إلى أن ملف العودة بقي حاضرًا في التواصل الرسمي بين لبنان وسوريا "في كل زيارة لرئيس الحكومة أو للوفود اللبنانية إلى سوريا، وكذلك خلال زيارة وزير الخارجية السوري إلى لبنان، كانت عودة النازحين من الملفات الأساسية المطروحة، لكنها لم تعد تشكّل خوفًا استراتيجيًا كما في السابق، بعد سقوط بشار الأسد وعودة مئات الآلاف من السوريين إلى بلادهم."

ويعتبر أن المرحلة المقبلة يجب أن تتركز على تنظيم الوجود السوري في لبنان "المطلوب أن يبقى في لبنان السوري الذي يأتي للعمل وفق قانون العمل، ويقيم وفق قانون الإقامة اللبناني."

وفي هذا السياق، يرى الحاج أن القوانين النافذة كافية لمعالجة الملف إذا طُبّقت بجدية "إذا أردنا أن نتحدث كمشرّعين، فإن قوانين البلديات والعمل والإقامة كافية لمعالجة المشكلات المرتبطة بالنازحين، ولا داعي للمزايدات."

وينتقد في المقابل توظيف الملف سياسيًا " أما من يريد إبقاء الملف فزّاعة لاستخدامه في الانتخابات والتحريض، فهذا شأنه. فاللبنانيون لم تعد تنطلي عليهم هذه الأكاذيب، وقانون العفو مثال على ذلك، إذ إن مادته الثانية تتضمن جميع الاستثناءات. فعليًا، تجاوزت الوقاحة حدودها لدى بعض التيارات."

وبالنسبة إلى خطة الحكومة، يرى الحاج "الخطة تسير، بالتوازي مع مسار إعادة الإعمار في سوريا ومعالجة أوضاع المنازل المدمّرة، كما أن سوريا ستكون بحاجة إلى يد عاملة للمساهمة في إعادة الإعمار."

ويرى أن العامل الاقتصادي سيكون أساسيًا في تحديد قرار السوري "في النهاية، ما سيحدد البقاء في لبنان أو العودة إلى سوريا هو الوضع الاقتصادي للسوري. إذا وجد عملًا في لبنان فسيعمل وفق قانون العمل والإقامة، وإذا لم يجد عملًا فسيعود إلى سوريا للاستفادة من الفرص الموجودة هناك."

 

اقرأ المزيد من كتابات جاكي مرعب