الخضار فقدت نكهتها فماذا تغيّر في الزراعة
لم تعد حبّة البندورة، بالنسبة إلى كثيرين، تحمل الحموضة نفسها التي يتذكرونها، كذلك تبدو نكهة بعض الخضار أقل حدّة وملوحة مما كانت عليه في السابق. ملاحظة تتكرر على موائد اللبنانيين وتُختصر غالبًا بعبارة "الخضار زمان كانت أطيب"، فيما يبقى هذا الانطباع بين ذاكرة الطعم والتغيّرات التي طرأت على الزراعة، من الأصناف والبذور إلى التربة والريّ والتسميد وطرق القطاف والتخزين، من دون حسم علميّ حتى اليوم لمدى تغيّر النكهة فعلًا.
في هذا السياق، تقول المهندسة الزراعية زهراء عواضة "لا يمكننا القول في شكل علمي إن طعم كل الخضار اللبنانية تغيّر مقارنةً بالماضي، إلا إذا كانت لدينا دراسة مقارنة تاريخية على الأصناف والمناطق وطرق الزراعة نفسها".
وتوضح "يجب مقارنة العينات القديمة بالحديثة من خلال قياس المواد الصلبة الذائبة TSS، ونسبة الحموضة والسكريّات والمركبات العطرية، بالإضافة إلى اختبار التذوق الحسيّ. فالذاكرة الشعبية وحدها لا تكفي لحسم هذا الجدل".
وعن العناصر التي تصنع النكهة، توضح عواضة أن "السكريّات تعطي الطعم الحلو، والأحماض العضويّة تعطي الحموضة، وبعض المركبات والأملاح مسؤولة عن المرارة والملوحة، فيما تلعب المركبات المتطايرة دورًا في الرائحة".
أما دور الصنف، فتشرح "يمكن أن نزرع صنفين من البندورة في الأرض نفسها، وبالأسمدة وطريقة الريّ نفسها، ونجد فرقًا كبيرًا في الطعم، لأن تركيبتهما الجينية مختلفة". وعن اختيار الأصناف، تقول "هناك تركيز أكثر على الإنتاجية العالية، وحجم الثمرة وشكلها ولونها، ومقاومتها للأمراض وقدرتها على تحمّل النقل والتخزين. وهذا قد يؤدي إلى تراجع النكهة في بعض الخضار والفواكه". لكنها توضح أن "الصنف الهجين ليس بالضرورة سيئ الطعم، كما أن الصنف القديم ليس دائمًا الأطيب. المشكلة ليست في ما إذا كان الصنف هجينًا أو قديمًا، بل في الصفات التي نختار التركيز عليها أثناء التربية والزراعة".
وعن مياه الريّ، تشير عواضة إلى أن "الملوحة تؤثر في امتصاص العناصر وبالتالي في تركيبة الثمرة وطعمها"، لافتة إلى أن الملوحة المعتدلة في البندورة قد ترفع نسبة السكريّات والأحماض وتحسّن بعض صفات الطعم، فيما قد تضرّ الملوحة المرتفعة بالإنتاج وجودة الثمار".
أما التربة، فتوضح أن بنيتها وموادها العضوية ودرجة حموضتها تؤثر في قدرة النبات على امتصاص العناصر والمياه. اما القول إن السماد الكيميائي يقتل الطعم ليس مثبتًا علميًا، لأن النبات في حاجة إلى العناصر المعدنية سواء كان مصدرها عضويًا أو معدنيًا. المهم هو التوازن والجرعة والتوقيت."
وفي ما يتعلق بالخيم الزراعية، توضح أن "الخيمة في حدّ ذاتها لا تغيّر النكهة ولا تفسدها، بل تتغير داخلها ظروف الحرارة والضوء والرطوبة، ما قد يؤثر في النكهة. وإذا كانت الإدارة الزراعية مضبوطة، فقد لا تتأثر نهائيًا."
وعن القطاف، تقول عواضة "أحيانًا المشكلة ليست في كيفية زراعة الخضار، بل في كيفية قطافها وكيف وصلت إلى المستهلك. فعندما نقطف بعض المحاصيل قبل اكتمال النضج، قد لا تكون وصلت إلى أقصى نسبة من تراكم السكريّات والمركبات العطرية". كذلك تلفت إلى أن التخزين والنقل الخاطئين قد يؤثران في النكهة حتى لو تمت الزراعة والريّ والتسميد في الشكل الصحيح.
وفي ما يتعلق بالمبيدات، تقول "لدينا في لبنان لوائح للمبيدات الزراعية والمواد الممنوعة، ولا يمكننا أن نعمّم ونقول إن المزارع اللبناني يستخدم المواد المحظورة، فهذا يجب أن يُثبت من خلال فحوصات مخبرية وضبط ميداني".
وتلفت إلى أن استخدام المبيدات المسموحة في طريقة خاطئة قد يؤدي أيضًا إلى أضرار، مشيرة إلى أن بعض المزارعين يستخدمون الأسمدة عشوائيًا ومن دون إشراف متخصص، ما يستدعي تعزيز الإرشاد الزراعي.
من الجانب الميداني، يلاحظ صاحب المشاريع الزراعية حنا جرجس اختلافًا في بعض الأصناف، ويقول "أكيد هناك فرق في بعض الأصناف، وأنا بحكم عملي في الزراعة والسوق ألاحظ ذلك. فمثلًا، كانت هناك أصناف من البندورة تتمتع بحموضة أقوى وطعم أوضح، كما كانت نكهة الخيار أقوى. وحتى الكرز نلاحظ أحيانًا أن طعمه وحلاوته ليسا كما يتذكرهما الناس. اليوم قد نجد الثمرة جميلة وكبيرة الحجم، لكن عند تناولها لا نجد قوة النكهة نفسها. وفي الوقت نفسه لا يمكننا التعميم، لأن الصنف والموسم والأرض وطريقة الزراعة كلها عوامل تحدث فرقًا".
وعن التغيّرات في الزراعة، يوضح جرجس أن "هناك اليوم أصنافًا وبذورًا جديدة، وتطورت طرق الريّ والتسميد وانتشرت الخيم الزراعية. كذلك أصبح المزارع امام أصناف تعطي إنتاجًا أكبر، وأخرى أكثر مقاومة للأمراض أو قدرة على تحمّل النقل والتخزين."
وعن اختيار الأصناف، يقول "أنا كمزارع أكيد يهمني الطعم، لكن لدي كلفة وإنتاج أريد بيعه. لا أستطيع اختيار صنف فقط لأن طعمه جيد إذا كان إنتاجه قليلًا أو يتلف بسرعة. أحيانًا يكون الصنف ممتازًا من حيث الطعم، لكنه اقتصاديًا لا يناسبني، لذلك على المزارع الموازنة بين النوعية والقدرة على البيع والربح".
وعن تأثير السوق، يقول جرجس "التاجر يريد بضاعة مرتبة في شكلها، متقاربة الحجم، جميلة اللون وتتحمّل من دون أن تتلف بسرعة. وحتى المستهلك أول ما يراه هو شكل الثمرة. فقد تكون البندورة ممتازة الطعم لكن شكلها غير كامل، وإلى جانبها بندورة أجمل، وغالبًا ما تتجه العين إلى الأجمل. لذلك نحن نزرع أيضًا على أساس ما يطلبه السوق".
أما عن القطاف، فيوضح "نضطر في بعض المحاصيل إلى القطاف قبل النضج الكامل حتى تتحمّل النقل والبقاء في السوق. فإذا قطفت الثمرة ناضجة مئة في المئة قد تصل متضررة أو تتلف بسرعة، بينما إذا أكلتها ناضجة مباشرة من الأرض فمن الطبيعي أن تشعر بفرق في الطعم".
وعن الأسمدة والمبيدات، يقول "هناك أخطاء تحصل، خصوصًا إذا كان المزارع يعمل من دون مهندس زراعي أو برنامج واضح، سواء بزيادة الجرعة أو عدم الالتزام بالمدة المطلوبة قبل القطاف. لكن لا يمكننا التعميم، فهناك مزارعون ملتزمون ويعرفون تمامًا ماذا يستخدمون".
أما بالنسبة إلى المستهلك، فيقول جرجس "أنصحه بأن يأكل الخضار في موسمها وأن يختارها طازجة قدر الإمكان. ولا يجب أن يحكم فقط على الشكل والحجم، لأن ليس كل ثمرة كبيرة ولامعة تعني أن طعمها أفضل. أحيانًا تكون الثمرة الأبسط شكلًا أقوى نكهة بكثير".