فصل بلدية الناعمة – حارة الناعمة: قرار قانوني مع مخاوف على العيش المشترك
عاد ملف فصل بلدية الناعمة – حارة الناعمة إلى الواجهة خلال الأيام الأخيرة، بعد إعادة تحريك الإجراءات المتعلقة بتنفيذ قرار فصل الناعمة عن حارة الناعمة، ما أثار نقاشًا واسعًا بين مؤيدين يرون في الخطوة مدخلًا لتحقيق إنماء وإدارة محلية أكثر فاعلية، ومعارضين يعتبرون أنها قد تنعكس على النسيج الاجتماعي والعلاقة التاريخية بين أبناء المنطقتين.
وتعود القضية إلى سنوات، حين تقدّم عدد من أهالي الناعمة بمراجعة أمام مجلس شورى الدولة طالبوا فيها بفصل بلدية الناعمة – حارة الناعمة واستحداث بلديتين مستقلتين، معتبرين أن لكل بلدة خصوصيتها الإدارية والإنمائية، وأن البلدية المشتركة لم تحقق الأهداف المرجوة.
وبعد مسار قانوني، أصدر مجلس شورى الدولة قرارًا بقبول المراجعة، ما فتح الباب أمام استكمال الإجراءات التنفيذية اللازمة لإنشاء بلديتين مستقلتين، إلا أن تنفيذ القرار بقي مؤجلًا لسنوات.
وفي عام 2023، دخل الملف مرحلة جديدة بعد استقالة تسعة أعضاء من مجلس بلدية الناعمة – حارة الناعمة، ما أدى إلى فقدان المجلس نصابه القانوني. وعلى إثر ذلك، أصدر وزير الداخلية والبلديات في حكومة تصريف الأعمال، بسام مولوي، قرارًا باعتبار المجلس البلدي منحلاً، وكُلِّف محافظ جبل لبنان بتسيير أعمال البلدية إلى حين انتخاب مجلس جديد.
ومع اقتراب الانتخابات البلدية والاختيارية عام 2025، أعلن وزير الداخلية والبلديات أحمد الحجار تأجيل الانتخابات في الناعمة وحارة الناعمة، في انتظار استكمال تنفيذ قرار مجلس شورى الدولة، وتحديد الحدود الإدارية والعقارية بين البلدتين، كذلك شُكّلت لجنة مختصة لهذه الغاية.
وأعاد هذا التطور الملف إلى الواجهة، فانقسمت الآراء بين من يرى أن الفصل يشكل فرصة لتحقيق إنماء متوازن وإدارة مستقلة لكل بلدة، وبين من يعتبر أن الخطوة تتجاوز بعدها الإداري وتحمل انعكاسات على العلاقة التي جمعت أبناء الناعمة وحارة الناعمة لعقود. وحذّرت دار الفتوى في جبل لبنان من الدعوات إلى فصل منطقة الناعمة عن بلدية حارة الناعمة، معتبرة أن تقسيم البلديات على أسس طائفية يهدد العيش المشترك ويكرّس الانقسام والمحاصصة.
في هذا الاطار، أكد عضو المجلس البلدي السابق وسام فخر الدين في حديث لـ "كافيين دوت برس"، أن موقفه من ملف فصل البلدية لا ينطلق من الوقوف إلى جانب طرف ضد آخر، بل من قناعته بضرورة احترام الاتفاقات وإعطاء كل طرف حقه. وقال "عندما جاء موعد تسليم رئاسة البلدية، لم أقبل أن يُحرم أهل الناعمة من حقهم. قلت بوضوح: يجب أن نُسلّم إخواننا في الناعمة حقهم، لأن هذا ما اتفقنا عليه منذ البداية. وإذا لم يُنفذ الاتفاق فسأستقيل، لأنني لم أكن مستعدًا للمشاركة في مجلس لا يلتزم بما اتفق عليه."
وأضاف "عندما لم يُنفّذ الاتفاق، نفّذت ما كنت قد أعلنته، وقدمت استقالتي، لأنني لم أقبل أن يُؤخذ حق أهل الناعمة. لم أكن أدافع عن شخص أو عن بلدة، بل كنت أدافع عن الحق، ولو كنت أرى أن الحق مع حارة الناعمة لاتخذت الموقف نفسه."
وجاءت استقالته ضمن استقالات تسعة أعضاء من المجلس البلدي، ما أدى إلى فقدان المجلس نصابه القانوني، ليصدر لاحقًا قرار وزير الداخلية والبلديات في حكومة تصريف الأعمال، بسام مولوي، باعتبار مجلس بلدية الناعمة – حارة الناعمة منحلة.
ورغم موقفه السابق المؤيد لما اعتبره حق الناعمة داخل المجلس البلدي، يؤكد فخر الدين أنه يعارض فصل البلدية، وقال: "أنا ضد القسمة، لأنني أرى أنها ستوّلد مشكلات كثيرة في المستقبل. العلاقة بين الناعمة وحارة الناعمة ليست علاقة عادية، بل علاقة تاريخية، وكنا دائمًا نحلّ مشكلاتنا معًا."
وأضاف "هذا ليس فصلًا إداريًا ولا إنمائيًا، بل أراه يحمل أبعادًا طائفية. اليوم قد لا يظهر شيء، لكنني أخشى أن يولّد هذا القرار حساسيات وانقسامات لم تكن موجودة من قبل، وأن يؤدي إلى مشكلات نحن في غنى عنها."
كذلك اعترض على الحدود المقترحة بعد الفصل، وقال "بحسب ما اطّلعنا عليه، فإن الخريطة المقترحة تعطي الناعمة أكثر من الحق، وهذا سيؤدي إلى خلافات جديدة بدل أن يحل المشكلة."
وعن البديل الذي كان يفضله، قال "كان من الأفضل أن نجلس إلى طاولة واحدة، وأن نجري انتخابات جديدة، وأن نلتزم بما اتفقنا عليه، بدل الوصول إلى خيار تقسيم البلدية. نحن كنا نقف معًا عندما تحصل أي مشكلة في البلدة، ولم نكن ننظر إلى الناس بحسب طوائفهم، ولذلك أرى أن ما يجري اليوم ليس في مصلحة أحد."
في المقابل، يرى المحامي روني ساسين، أحد المؤيدين لفصل البلدية، أن القضية لا ترتبط بخلافات طائفية، بل بمطلب إنمائي وإداري يعود إلى سنوات، معتبرًا أن إنشاء بلديتين مستقلتين هو السبيل لتحقيق تنمية متوازنة لكل من الناعمة وحارة الناعمة.
يؤكد ساسين أن المطالبة بفصل البلدية ليست جديدة، بل تعود إلى ما يقارب ثلاثة عقود، وقال "هذه الفكرة ليست جديدة، بل تعود إلى أول انتخابات بلدية عام 1992. منذ ذلك الوقت كانت الناعمة بلدية مستقلة وحارة الناعمة بلدية مستقلة، لكن وجهاء البلدة فضّلوا إعطاء فرصة لبلدية مشتركة، على أمل أن تنجح التجربة."
وتابع "جرّبنا البلدية المشتركة أكثر من مرة، وفي كل مرة كانت تظهر المشكلات نفسها. كل طرف كان يحمل الطرف الآخر مسؤولية التعثر، وعندما دخلنا إلى المجلس البلدي وجدنا أن الأداء لم يتغيّر، لذلك اقتنعنا بأن الإنماء لا يمكن أن يتحقق بهذه الصيغة."
ورأى أن الاستقالات التي شهدها المجلس البلدي لم تكن ذات خلفية طائفية، وقال: "السبب الأساسي لم يكن طائفيًا، بل إنمائيًا. لم نعد نجد طريقة للعمل، ولم يكن هناك تعاون يحقق مصلحة المنطقة، لذلك قُدمت الاستقالات."
وأشار إلى أن قرار مجلس شورى الدولة بفصل البلدية سبق التطورات الأخيرة، وقال: "قرار مجلس شورى الدولة صدر قبل سنوات، ولم يكن وليد هذه المرحلة. كنا نطالب باستكمال تنفيذه، لأنه بالنسبة إلينا يشكل الحلّ الأنسب."
ورفض ساسين اعتبار أن الفصل يمس بالعيش المشترك، "لا أحد يستطيع أن يقول إن العيش المشترك في خطر. نحن نعيش معًا، ونعيّد معًا في الأعياد، وبيننا علاقات مصاهرة وصداقة، ولم يكن يومًا هناك خلاف بين الناس. الحديث عن ضرب العيش المشترك هو طرح سياسي، وليس واقعًا نعيشه."
وأضاف "نحن لا نطالب بالفصل لأننا لا نريد العيش مع حارة الناعمة، بل لأننا نريد صندوقًا بلديًا مستقلًا لكل بلدة، بحيث تجمع كل بلدية رسومها وتنفذ مشاريعها بنفسها. هذا هو مفهوم الإنماء المتوازن بالنسبة إلينا."
وعن المرحلة الحالية، قال: "قرار مجلس شورى الدولة موجود، ووزير الداخلية يسير في تنفيذ هذا القرار. المشكلة ليست في القرار القضائي، بل في التدخلات السياسية التي تؤخر تنفيذه." واستكمل كلامه قائلًا "بحسب ما وصل إلينا، فإن وزارة الداخلية والبلديات شكّلت لجنة لوضع الحدود بين الناعمة وحارة الناعمة، وهي تعمل على إعداد خريطة تحدد النطاق الإداري لكل بلدة، تنفيذًا لقرار مجلس شورى الدولة. وما يجري اليوم هو استكمال لهذه الإجراءات".
وختم حديثه بالقول: "إذا أصبح لكل بلدة مجلسها البلدي وصندوقها البلدي، فهذا لا يعني أن الناس سيتوقفون عن العيش معًا. سنبقى أهلًا وجيرانًا كما كنا دائمًا، لكن لكل بلدة إدارتها وإنماؤها الخاص."
وحاول "كافيين دوت برس" التواصل مع وزارة الداخلية والبلديات، إلا أن الوزارة اكتفت بالإشارة إلى أن اللجنة لا تزال تواصل عملها.
.