جورج المصوّر: ذاكرة الكورة بعدسة لا تشيخ

جورج المصوّر: ذاكرة الكورة بعدسة لا تشيخ

في زاوية من أميون، لا تزال آلاف الصور تستريح داخل أدراج خشبية وعلب "نيغاتيف" قديمة، كأن الزمن توقف عندها. وجوه أطفال أصبحوا اليوم أجدادًا، وعرسان عادوا بعد سنوات حاملين أبناءهم وأحفادهم إلى الاستوديو نفسه، وقرى تبدلت ملامحها وبقيت محفوظة في صور لم يمسّها النسيان. وسط هذا الأرشيف، يقف جورج عيسى، الرجل السبعيني، الذي يعرفه الجميع باسم "جورج المصوّر"، يقلّب ذاكرة الكورة صورةً بعد أخرى، بعدما أمضى أكثر من نصف قرن خلف العدسة، ويقول: "أنا الوحيد الذي بقي من الجيل القديم في الشمال، وكل الذين تعلّموا المهنة بالطريقة القديمة رحلوا". 

يقول جورج "في ذلك الوقت، لم تكن هناك مدارس لتعليم التصوير،او معهد أو جامعة، بل كان شخص يعلّم شخصًا. عندما أخذني والدي لالتقاط صورة لشهادة السرتيفيكا، لم أنظر إلى المصوّر، بل إلى الكاميرا. منذ تلك اللحظة، لم أفكر إلا بشيء واحد: كيف تخرج الصورة من هذا الصندوق الأسود؟" 

ويتابع "كان المصور أرمنيًا وصديقًا لوالدي. أصبحت أتردد إلى الاستوديو باستمرار. كانوا يمنعونني من دخول غرفة التحميض بسبب المواد الكيميائية، لكنني كنت أريد أن أعرف ماذا يحدث في الداخل. كنت أراقبهم من بعيد، وأنتظر أي فرصة لأدخل." 

ويبتسم وهو يستعيد تلك الأيام، قائلًا "كنت أعرف أنني إذا دخلت سأحصل على كفّ من المصوّر الأرمني، لكن لم يكن يهمّني. كنت أختبئ وأراقبه وهو يعمل، وأنتظر اللحظة التي ينشغل فيها لأدخل وأرى كيف تتحول قطعة النيغاتيف إلى صورة. لم أكن أخاف من الكفّ، بل كنت أخاف أن تمرّ الأيام من دون أن أعرف السرّ." 

ويضيف "في البداية، لم يكن يسمح لي إلا بالأعمال الصغيرة. كنت أجلب الماء من الحنفية العامة، وأشتري الدخان، وأقوم بما يطلبه مني، لكنني كنت سعيدًا لأنني بقيت قريبًا من المكان الذي أحببته. كنت أتعلّم بعيني قبل أن أتعلّم بيدي." 

داخل غرفة التحميض، بدأت رحلة تعلّمه الحقيقية، حيث كانت الصورة تُصنع بالكامل باليد. يقول "كان الضوء عدوّنا الأول. إذا دخل شعاع واحد إلى الغرفة، قد يفسد الفيلم كلّه. كنا نعمل في العتمة، ونتعامل مع المواد الكيميائية بحذر شديد. لم يكن هناك كمبيوتر ولا برامج، بل خبرة وصبر." 

آثار المواد على الحائط
 

ويتابع: "كنت أراقب كيف يُحمَّض النيغاتيف، وكيف تُطبع الصورة، وكيف تظهر الملامح تدريجيًا. كنت أعود إلى البيت وأفكر طوال الليل بما رأيته، وأنتظر اليوم التالي لأتعلم شيئًا جديدًا." 

 

صور النيغاتيف القديمة
 

لم يكن امتلاك كاميرا أمرًا سهلًا، لكن جورج أصرّ على أن يبدأ مهما كانت الإمكانات. ويقول "كان والدي يعطيني ثلاثة فرنكات كل يوم. لم أكن أصرفها، بل أخبّئها. بقيت أجمعها حتى صار معي أحد عشر ليرة. حملتها وذهبت إلى المصور وقلت له: هذه كل الأموال التي أملكها، وأريد كاميرا." 

 ويضيف "منذ ذلك اليوم، لم تعد الكاميرا تفارقني. كنت أصور الأشجار، والطبيعة، والناس، وكل ما يلفت نظري. لم يكن أحد يطلب مني ذلك، لكنني كنت أشعر أن كل صورة تعلّمني شيئًا."ويتابع "الفيلم كان يتسع لست وثلاثين صورة فقط، لذلك كنا نفكر كثيرًا قبل أن نضغط على زر الكاميرا. اليوم يلتقط الناس مئات الصور ويحذفون ما لا يعجبهم". 

لم يكن جورج يكتفي بتصوير الأشخاص، بل كان يبحث عن الجمال في أبسط المشاهد. ويشرح "كنت أصور شجرة الزيتون، وجذعًا يابسًا أتخيله عجوزًا حزينة، والطبيعة من حولي. كنت أجلس وأتأمل المشهد طويلًا قبل أن ألتقط الصورة". 

لاحقًا، لم يكتفِ جورج بتعلم المهنة، بل بدأ يبتكر أدواته بنفسه كلما حالت الإمكانات المادية دون شراء المعدات. ويقول "ذهبت إلى برج حمود لأشتري آلة تكبير الصور. كان ثمنها ألفين ومئتي ليرة، بينما لم يكن معي سوى خمسمئة. طلبت من صاحب المحل أن يسمح لي برؤيتها، فبقيت أتأملها وأحفظ كل تفصيل فيها." 

 ويتابع "خرجت من عنده وذهبت إلى نجار. شرحت له ما أريده، وصنع لي الهيكل. بعد ذلك بدأت أعدّل عليه بنفسي حتى أصبح يؤدي الغرض. كلّفني نحو عشرين ليرة فقط. لم تكن لدينا الإمكانات." 

ولم يقتصر تعلّمه على مراقبة المصور الأرمني، بل تلقّى بعض أسرار المهنة من ابنته أيضًا. ويقول: "هي التي علمتني الرتوش. كانت تجلس إلى جانبي وتشرح لي كيف أعمل على النيغاتيف، وكيف أعالج أدق التفاصيل بقلم الرصاص. تعلّمت منها الصبر قبل أن أتعلم التقنية." 

ويقول "حتى الرتوش لم يكن كما هو اليوم. إذا كانت هناك حبة صغيرة على الوجه، أو شعرة في غير مكانها، كنا نعمل عليها بقلم الرصاص مباشرة. كل ما يفعله الكمبيوتر اليوم، كنا نفعله يدويًا. كنت أقضي ساعات على صورة واحدة، لكن عندما أراها في النهاية، أنسى كل التعب."ويضيف "كثير من المصورين لم يكونوا يجيدون الرتوش، فكانوا يرسلون إليّ أعمالهم. كنت أحب هذا العمل لأنه يحتاج إلى عين دقيقة وصبر، وليس إلى السرعة." 

ويستذكر جورج إحدى أكثر المواقف التي بقيت عالقة في ذاكرته، حين كان بعض الأشخاص يقصدونه طالبين تعديل صورهم قبل تكبيرها للحملات السياسية او أهداف أخرى. ويقول "كان يأتي شخص او سياسي بلباسه العادي، ثم يطلب أن يظهر في الصورة بصورة مختلفة تمامًا. لم يكن هناك كمبيوتر، فكنا نقوم بكل شيء يدويًا. نعدّل الصورة، ونهتم بالتفاصيل حتى يبدو بالمظهر الذي يريده."ويضيف مبتسمًا "في ذلك الزمن، كانت الصورة تصنع الانطباع الأول، ولذلك كان الناس يولونها أهمية كبيرة." 

nkkf.jpg 170.22 KB
 

افتتاح الاستوديو لم يكن نهاية رحلة التعلّم، بل بداية مرحلة جديدة تحوّل فيها جورج من شاب يعشق التصوير إلى اسم يعرفه أبناء الكورة والشمال. يقول "افتتحت المحل في التاسع عشر من آب عام 1979، في عزّ الأحداث. لم تكن الظروف سهلة، لكنني كنت أحب هذه المهنة، ولم أفكر يومًا أن أتركها." 

ولم يقتصر عمله على التصوير داخل الاستوديو، بل انتقل أيضًا إلى العمل الصحافي، حيث كان يصوّر الأحداث ويرسلها إلى وسائل الإعلام في وقت تعذّر فيه على كثير من المراسلين الوصول إلى بعض المناطق. 

ومع تطور المهنة، كان أوّل من أدخلوا كاميرا الفيديو إلى شمال لبنان. ويقول "قبل الفيديو، كنا نصور على أفلام السينما. نصور الفيلم كاملًا، ثم نرسله إلى شركة في بيروت، وهي بدورها ترسله إلى فرنسا لتحميضه. كنا ننتظر أسابيع، وأحيانًا أشهرًا، حتى يعود إلينا. اليوم يشاهد الناس الصورة بعد ثوانٍ، أما نحن فكنا ننتظر طويلًا لنرى نتيجة عملنا." ويضيف "لم يكن الانتظار يزعجنا، لأننا كنا نعرف قيمة كل صورة. كنا نصورها مرة واحدة، ولذلك كنا نبذل كل جهدنا حتى تنجح". 

لم تكن الكاميرات آنذاك متطورة، وكان المصور يعتمد على خبرته أكثر من اعتماده على المعدات.ويقول "لم يكن هناك تركيز تلقائي، ولا شاشة ترى عليها الصورة. كان عليك أن تقرأ الضوء، وأن تعرف أين تقف، وكيف تجعل الشخص يقف، ومتى تضغط على زر الكاميرا." 

bgf.jpg 94.65 KB
 

ويتابع "تعلمت البوزات أيضًا. كنت أراقب صور الممثلين والفنانين، وأدرس طريقة وقوفهم ونظراتهم، ثم أطبقها مع الأشخاص الذين أصورهم. لم يكن يكفي أن تحمل الكاميرا، بل كان عليك أن تعرف كيف تجعل الصورة أجمل." 

ومع مرور السنوات، أصبح الاستوديو جزءًا من ذاكرة الكورة، ولم تعد الصور تقتصر على المناسبات الخاصة، بل شملت مدارس واحتفالات ونشاطات رافقت أجيالًا كاملة "صوّرت معظم مناسبات مدرسة الراهبات لسنوات طويلة. عيد الأم، والمسرحيات، والاحتفالات، والأنشطة. كنت حاضرًا في كل مناسبة تقريبًا." 

وخلال أكثر من أربعة عقود، لم تقتصر عدسة جورج على الوجوه، بل وثّقت أيضًا تحولات الكورة نفسها "صوّرت مدارسها، وبلداتها، واحتفالاتها، وأعراسها، ومناسباتها. هناك أماكن تغيّرت كثيرًا، وأشخاص رحلوا، لكن صورهم بقيت موجودة. عندما أفتح الأرشيف، أشعر أنني أعود إلى الكورة كما كانت قبل عشرات السنين."ويضيف "الصورة لا تحفظ الإنسان فقط، بل تحفظ المكان أيضًا. عندما يرى الناس صور قراهم القديمة، يعودون بالذاكرة إلى زمن لم يعد موجودًا." 

ويستعيد موقفًا ترك أثرًا كبيرًا في نفسه، "دخل رجل إلى المحل، وبقي ينظر إليّ، ثم سألني: هل أنت جورج الذي كان يصوّر في مدرسة الراهبات؟ قلت له: نعم. فقال لي: أنا مستعد لأن أدفع لك الآلاف إذا وجدت لي صورة من طفولتي." ويضيف: "لم يكن يبحث عن صورة عادية، بل عن ذكرى. عندها أدركت أن الصورة ليست ورقة، بل جزء من حياة الإنسان." 

ولم تقتصر مسيرته على العمل داخل الاستوديو أو في الصحافة، بل شارك أيضًا في العمل النقابي، إذ شغل لسنوات منصب أمين صندوق نقابة المصورين الفوتوغرافيين اصحاب الاستوديوهات والمهنة. ويقول: "كانت النقابة بيتًا يجمع المصورين، وكنا نعمل من أجل المهنة ومن أجل أصحابها". يصمت قليلًا، ثم يخرج من محفظته الجلدية بطاقة قديمة احتفظ بها رغم مرور السنوات. 

ويستكمل "النقابة أقفلت منذ زمن طويل، لكنني ما زلت أحتفظ ببطاقتها في محفظتي." 

ثم يعيد جورج بطاقة النقابة إلى محفظته، ويغلقها بهدوء. النقابة لم تعد موجودة، وكثير من المصورين الذين رافقوه رحلوا، لكن البطاقة بقيت، كما بقيت آلاف الصور التي حفظها طوال أكثر من نصف قرن. 

وبين بطاقةٍ قديمة، وأرشيفٍ يزدحم بوجوه الكورة، لا يبدو جورج المصوّر رجلًا احتفظ بصور الناس فحسب، بل آخر من لا يزال يحمل ذاكرة مهنةٍ كانت تُولد في العتمة. 

 

اقرأ المزيد من كتابات جاكي مرعب