يوميات امرأة نازحة ....
"أَستيقظ كلّ صباح بعد ليل طويل من القلق، لأتذكّر أنني لست في بيتي، وأنني لن أُحضّر فطور الصباح ولا الغداء ولا العشاء لعائلتي، ولن أهتم بشؤون منزلي، ولن أخرج لأستنشق هواء جنوبنا. هكذا يبدأ نهاري بغصّة، لكن لا خيار أمامنا سوى التحلّي بالقوّة رغم كل الصعوبات والتحدّيات".
ليست هذه المرّة الأولى التي تضطر فيها إلى مغادرة منزلها في الجنوب مع عائلتها والتوجه إلى زغرتا، إلا أنّ وقع التجربة يبقى قاسيًا في كل مرة، وكأنها تعيشه للمرة الأولى.
هذا ما ترويه سيدة جنوبية لموقع "كافيين دوت برس" عن رحلتها التي اختلطت فيها مشاعر الخوف بالحنين. ولان عبء النزوح اليومي وتدبير شؤون العائلات، يقع على النساء، تصبح الحكاية واليوميات جديرة بان تروى. تقول"منذ اللّحظة الأولى لمغادرتنا، سلكنا الطريق في اتجاه زغرتا من دون أي تفكير، وكأنّها الوجهة الوحيدة الآمنة التي خطرت في بالنا. لم يكن هناك وقت للتخطيط أو حتى لالتقاط الأنفاس، فكل شيء كان سريعًا وفيه الكثير من الإرباك".
وتضيف "كلّ شيء كان صعبًا، لم نتمكّن من أخذ كل ما نحتاجه معنا، تركنا خلفنا أشياء كثيرة، لكنّ الأهم كان تلك التفاصيل الصغيرة التي اعتدنا عليها يوميًا. كان الخوف مسيطرًا في شكل كامل، شعور لا يمكن وصفه، وكأننا نقتلع أنفسنا من مكاننا. شعرنا أننا تركنا خلفنا جزءًا من أرواحنا، وذكريات لا تُعوَّض، وتفاصيل كانت تمنح أيامنا معناها وتشكّل حياتنا كما نعرفها".
وتتابع بتأثر "الرحلة لم تكن مجرد انتقال من مكان إلى آخر، بل كانت لحظة فاصلة بين حياة كنا نعيشها بكل تفاصيلها، وواقع جديد فُرض علينا فجأة، نحاول اليوم أن نتأقلم معه رغم قسوته".
تتصفّح هاتفها بعينين دامعتين، تشاهد فيديوهاتٍ لمنزلها الواسع، وللباحة المحاطة بالأشجار والأزهار. كأنّ قلبها كان دليلها حين صوّرت تلك المشاهد، وكأنها كانت تعلم أنها ستعود إليها يومًا ما في لحظة اشتياق، وهي بعيدة، وتقول "أملُنا كبير بأننا سنعود إلى البيت الذي هو راحتُنا وأماننا، اليوم نحن موجودون في هذا المركز، لا نعلم ما الذي قد يحدث بين لحظةٍ وأخرى، حالُنا كحال باقي العائلات الموجودة".
تروي السيدة الجنوبية تفاصيل الحياة اليومية في مركز الايواء والصعوبات التي يواجهونها وتقول "نحن اليوم أمام ظروف استثنائية مضطرون للتعامل معها، حتى لو شكّل ذلك إحراجًا لنا. فالعيش في مكان عام أمر صعب جدًا، لكننا نحاول قدر الإمكان التأقلم". وتشرح أنهم يقيمون في غرفة واحدة تضمّها مع زوجها وأولادها، إضافة إلى شقيق زوجها وعائلته، وقد اضطروا إلى تقسيم الغرفة إلى قسمين، مضيفةً بطرافة "رجعنا عزّابي وأخوة".
وتتابع "في الخارج توجد عائلات أخرى تتقاسم الغرف أيضًا، هناك 6 حمامات مشتركة فقط نقوم بتنظيفها يوميا وبالتناوب"، وتلفت إلى أنّهم يضطرون أحيانًا إلى الانتظار لفترات طويلة للدخول إلى الحمّام، إلى حدّ أنّهم في بعض الأحيان يتجنّبون تناول الطعام كي لا يضطروا لاستخدامه. وتشير الى محاولتها قدر الامكان المحافظة على الخصوصية الشخصية خاصة مع وجود بناتها في ظل الاختلاط من فئات عمرية مختلفة، ما يدفعهم إلى توخي حذر أكبر.
وتؤكد أّنّ حياتهم انقلبت رأسًا على عقب اذ لم يسبق لهم ان عاشوا تجربة مماثلة، وتتكلّم بحسرة عن أولادها الذين اضطروا لترك مدارسهم فجأة اذ تخشى ان يدفعوا ثمن هذه الازمة وسط حالة من الغموض والقلق بشأن مستقبلهم التعليمي الذي تعتبره أولوية لا يمكن التفريط بها.
أما من ناحية المعيشة، فتوضح أن هناك وجبة واحدة مؤمنة عند الظهر، إضافة إلى بعض المساعدات من المعلّبات ولوازم أخرى تقدّمها الجمعيات، في حين أنّهم يخرجون أحيانًا لشراء ما ينقصهم من حاجيات.
وتتابع "في الحرب السابقة استقبلتنا عائلة كنّا على معرفة بها وهم يحاولون قدر الامكان مساعدتنا وتسهيل امورنا من خلال استضافتنا للاستحمام وغسل الملابس وتجفيفها، وهذا الأمر ليس غريبًا عن أهل زغرتا، المعروفين بالكرم وحسن الضيافة". وتضيف "سبق لي في مرحلة من المراحل أن استقبلت نازحين في منزلي، ودارت الأيام لنجد أنفسنا اليوم في موقع النازحين. والحمدلله أنّ الله يسّر أمورنا بوجود أناس طيبين إلى جانبنا، فالله لا يترك أحدًا أبدًا، لكن لا يمكن أن ننكر ان الوجع كبير في القلب، اذ لم نتخيّل يوما انّنا سنترك بيوتنا ونصبح نازحين ونجد أنفسنا في مراكز الايواء نحن تربّينا على العزّ وما يحصل يسبب لنا احراجًا وهو ليس بالامر السهل ولكن يبقى الامل موجود بانّنا سنعود الى ديارنا لنشمّ رائحة ضيعتنا من جديد".
وتُنهي كلامها والتأثّر بادٍ على وجهها "ما في أحلى من الجنوب. نتمنّى أن يتحقق السلام، فلا أحد يريد الحرب أو يتمناها".