ارتفاع استهلاك المهدئات : الحرب والانهيار الاقتصادي عاملان ضاغطان
في بلد مرهق لا يشعر فيه المواطن بالأمان والطمأنينة، تصدّرت المهدئات "أدوية الأعصاب" المشهد حيث باتت وسيلة يلجأ إليها الكثيرون لتهدئة النفوس، في ظل تصاعد التوترات والدخول في دوّامة حروب لا تنتهي، إضافةً إلى الأزمات الاقتصادية التي ترهق الأفراد والعائلات. حتى أصبح من النادر أن يخلو أي منزل من حالة نفسية قد تستدعي اللجوء إلى هذا النوع من الأدوية.

ويضيف أن الوضع الاقتصادي إلى جانب الخوف من الحرب والمجهول، من أبرز أسباب هذا الارتفاع، الذي يستمر بالتزايد ليطال شريحة واسعة من المجتمع.
ويشير إلى أن دور الصيدلي لا يقتصر على صرف الدواء، بل يتعداه إلى توعية المريض حول طريقة الاستخدام والمخاطر المحتملة، خاصة أنّ بعض هذه الأدوية قد يسبب الإدمان، إضافة إلى عوارض جانبية مثل الغثيان، تقلّب المزاج، تغيّر في الشخصية، اضطرابات النوم، والعصبية الزائدة عند انخفاض الجرعة، فضلًا عن تأثيرات سلبية على الوظائف الحياتية الأساسية.
أما من حيث الأسعار، يقول "لا تزال موحّدة ومحددة من قبل وزارة الصحة، ولم تشهد تعديلات تُذكر رغم ارتفاع التكاليف المعيشية".
وفي ما يتعلق بالفئات العمرية، يلفت طيون إلى أن الفئة بين 30 و45 عاما تُعدّ الأكثر استهلاكًا لمضادات الاكتئاب، بينما تُستخدم المهدئات بشكل أكبر لمن هم فوق 45 عامًا.
ويختم طيون بالتأكيد على ضرورة التمييز بين مضادات الاكتئاب والمهدئات، حيث أنّ لكل منها استخداماته المختلفة، ولا يجوز تناولها إلا تحت إشراف طبي.

عضو مجلس نقابة صيادلة لبنان الدكتور سابين الهبر تقول "في كل أزمة يمرّ بها لبنان، يندفع الناس لتأمين الأساسيات، خصوصا الطعام والأدوية، مع قلق أكبر على أدوية الأمراض المزمنة. لكن اللافت اليوم وبظل الحرب التي نعيشها هو الارتفاع الواضح في الطلب على أدوية الأعصاب، مثل المهدئات كـ Xanax ومضادات الاكتئاب كـ Cipralex، إضافةً إلى أدوية النوم، ما يعكس حجم الضغط النفسي الذي يعيشه المواطنون".
وتضيف "في بعض الحالات، لا يعرف المريض ما يريد تحديدًا، بل يسعى فقط للهدوء، خاصة مع صعوبة النوم بسبب القلق والأصوات. نلاحظ حالات هلع، تسارع في نبض القلب، توتر واضح، وأحيانًا دموع. دورنا يكون في التهدئة والطمأنة بأسلوب انساني، مع توضيح أن بعض الأدوية لا تُؤخذ إلا تحت إشراف طبي، واقتراح بدائل آمنة مع نصح المريض بمراجعة الطبيب.
وعن التخزين خلال الأزمات، تشير إلى أن بعض الأشخاص يشترون كميات تفوق حاجتهم خوفًا من الانقطاع، ما قد يسبب نقصًا مفاجئًا، خاصة في أدوية الأعصاب. لذلك نحاول تنظيم البيع عبر إعطاء كميات معقولة لكل مريض، لضمان توفر الدواء لأكبر عدد ممكن بدل احتكاره من قبل فئة محددة. كما نعتمد على تتبّع الوصفات الطبية، ونحرص على أن يحصل كل مريض على حصته وفق الكمية المحددة في وصفته.
وتلفت الى ان الالتزام بعدم صرف الأدوية من دون وصفة طبية أمر أساسي لحماية المريض، رغم أنه يكون صعبًا أحيانًا بين ضغط المريض وخوفه وواجبنا المهني. بعض الأشخاص يحاولون الإقناع أو تغيير القصة للحصول على الدواء، لكن مع الخبرة يصبح الصيدلي قادرًا على التمييز والتعامل بحكمة. دورنا هو تحقيق توازن بين الإنسانية وتفهم مخاوف الناس من جهة، وبين الالتزام بالقانون كحماية للمريض والمجتمع من جهة اخرى.
وتختم قائلة "في هذه الفترة الصعبة في لبنان، من الطبيعي الشعور بالقلق واضطرابات النوم وحتى البكاء، وهي ردود فعل طبيعية. لكن لا يجب استخدام أدوية الأعصاب بشكل عشوائي لأنها حساسة وقد تضر إذا استُخدمت دون إشراف. يمكن البدء بمكمّلات مهدئة مثل الميلاتونين والمغنزيوم والفاليريان، وإذا لم يتحسن الوضع يجب مراجعة الطبيب المختص. فليس كل توتر يحتاج دواء، بل وعي وحسن تصرّف".

ويلفت إلى ارتفاع كبير في نسب القلق والاكتئاب خلال العامين الأخيرين، نتيجة الحرب والشعور بعدم الأمان والتهديدات، إضافة إلى متابعة الأخبار والخوف من المجهول، فضلًا عن الوضع الاقتصادي الصعب. واليوم نلاحظ تزايدًا واضحًا في هذه الحالات، وصولًا مؤخرًا إلى ارتفاع اضطراب ما بعد الصدمة.
ويؤكد أن المتابعة مع طبيب مختص ضرورية، إذ يحرص على وصف أدوية لا تسبب الإدمان، ويتفادى المهدئات أو يحددها لفترة قصيرة عند الحاجة. أما مضادات الاكتئاب فهي أدوية علاجية لا تسبب إدمانًا وتُعطى لفترة محددة، وقد تطول في الحالات المزمنة دون أن يعني ذلك الإدمان. ويشير إلى أن العلاج النفسي مفيد، لكن في الحالات المتوسطة والشديدة يبقى العلاج الدوائي الأساس، بينما يكفي العلاج النفسي في الحالات الخفيفة جدا.
ويشير إلى أنّ وعي الناس بالمشاكل النفسية تطوّر كثيرًا خلال السنوات الـ15 الأخيرة، خاصة بفضل وسائل التواصل الاجتماعي، إذ أصبح الفرد يفهم أعراضه أكثر ويدرك أنها ليست بإرادته، بل ناتجة عن تغيّرات كيميائية في الدماغ، يساعد الدواء على تنظيمها.
وفي الختام، ينصح الدكتور جريج بتفادي استخدام وسائل التواصل وقراءة الأخبار خاصة أخبار الحرب، لأنها ترفع مستويات التوتر والأدرينالين والكورتيزول وتسبب ضغطًا مستمرًا. كما يشدد على أهمية الروتين اليومي لإعادة تنظيم نمط الحياة، الحفاظ على نوم منتظم بين 6 و7 ساعات على الأقل، ممارسة الرياضة والمشي في الطبيعة، التواصل مع الآخرين وتجنب العزلة. ويؤكد أن هذه النصائح قد لا تكفي دائمًا، وقد تكون هناك حاجة لمراجعة مختص نفسي لتقييم الحالة وتحديد العلاج المناسب.