في مجدليا وكفرياشيت: حكاية دور الراحة والمسنيّن الهجرة والامراض ضاعفت الحاجة اليها

 في مجدليا وكفرياشيت: حكاية دور الراحة والمسنيّن الهجرة والامراض ضاعفت الحاجة اليها

كنتُ غريبًا فَآوَيْتُموني، مريضًا فَزُرْتُموني..". 

بهذه الآية يستذكر رئيس جمعية العناية الالهية بدوي الدويهي بداية مسيرته التي شكلت بالنسبة اليه رسالة حياة استمر بها في عدة مجالات من حياته وكانت البداية مع مسنَين يعانيان العمى والخرف ويعيشان في ظروف سيئة للغاية. 

هي ليست مجرد مساكن، بل بيوت احتضنت مسنين أنهكتهم الحياة، حتى أصبحت هذه الدور ملاذهم الآمن. "كافيين دوت برس" زار هذه الدور، ملقيًا الضوء على الأجواء التي يعيشها المسنون معًا، وعلى النشاطات التي تُقام بهدف الترفيه عنهم. وبين تفاصيل الحياة اليومية تتكاثر الحكايات والقصص. 

 

السيدة جوزيان ميلاد الغزال معوض

تقول مديرة وابنة مؤسس دار الراحة للمسنين في مجدليا – زغرتا السيدة جوزيان ميلاد الغزال معوض إنّ ظروفًا عدة تدفع بالمسنين إلى الإقامة في الدار، منها الوحدة، عدم وجود أولاد بسبب الهجرة، ضيق المنازل، وأمراض كالزهايمر والخرف، ما يجعل العائلات عاجزة أحيانا عن تأمين الرعاية اللازمة. 

وتشير إلى أنّ الترابط العائلي في زغرتا كان يحدّ سابقًا من أعداد المقيمين، لكن الأزمة الاقتصادية والهجرة زادتا الحاجة إلى دور الرعاية، حفاظًا على المسنين من الإهمال أو الأذى. 

وتتابع "انّ بعض المسنين يأتون إلى الدار بكامل إرادتهم ووعيهم الكامل، اذ يشعرون بالحزن في البداية، لذلك تحرص الإدارة على تأمين المحبة والاهتمام لهم، انطلاقا من رسالة الوالد الراحل الذي كان هدفه أن يشعر كل مسنّ بأنه في بيته وأكثر، فيما تكمن الصعوبة مع المصابين بالزهايمر الذين يتأثرون بتغيير البيئة، لذلك يتم إحضار أغراضهم الخاصة لمساعدتهم على التأقلم والشعور بالأمان". لافتة الى انها تعمل دائما على تدريب الطاقم لتوفير الراحة للمسنين، وتشجّع العائلات على زيارتهم، رغم أنّ بعضهم يبقى من دون أي زيارة حتى وفاته. 

الكثير من القصص والحكايات. أبناء وأقارب لا يقصّرون في حق أهلهم، إذ يزورونهم يوميًا ويأتون محمّلين بالمحبة والهدايا، فيما يكتفي آخرون بزيارات متقطعة. وتستذكر معوض قول أحد الأبناء "إذا أمي ضايعة أنا مش ضايع، متل ما هي ربّتنا نحنا لازم نقوم بالواجب". 

وتشير إلى أنّ "يوم المسنين يبدأ بقداس صباحي، يلي ذلك الاهتمام بالعناية الشخصية، ثم يجتمعون لاستراحة قهوة ونشاطات خفيفة وتمارين للحفاظ على حركتهم. وبعد الغداء والراحة، تتنوع النشاطات بين الألعاب (لعب الورق، طاولة زهر)، مشاهدة التلفاز وتمضية الوقت معًا. 

كذلك يشارك عدد من المسنين في رحلات ترفيهية خارج المركز، فيما تحرص الدار على دعم هواياتهم، كالـكروشيه والطهي والمساعدة في بعض المهام اليومية البسيطة.وتستقبل الدار جمعيات للترفيه عن المسنين عبر جلسات موسيقية وغناء وفرق زجل تعيد إليهم أجواء الفرح، ما ينعكس إيجابًا على حالتهم النفسية. وتوفر صالات للتجمع والتواصل تعزز تفاعلهم الاجتماعي وتنشّطهم ذهنيًا. 

وفي الأعياد والمناسبات، تُنظَّم احتفالات خاصة تجمعنا كعائلة، تتخللها وجبات مشتركة وتقديم الهدايا". 

وتؤكد معوض أن المحبة تصنع فرقًا حقيقيًا في حياة المسنين، فهم يحتاجون إلى الاهتمام والحنان والشعور بالرعاية. وتشير إلى أن بعض الطباع الصعبة تتطلب صبرًا وتفهّمًا، لكن المحبة تبقى الأساس لتجاوز التحديات. 

وتشدد على أن دار الرعاية ليست مكان عزل، بل مساحة اهتمام ورعاية يعمل فيها الفريق يوميا. ويستقبل المركز 84 مسنّا، ما يعكس الثقة بسمعته، مع توجيه التحية للعاملين فيه على جهودهم في الخدمة والرعاية. 

وفي الدار، تجلس مسنّة على سريرها وبيدها صنّارة تمارس هوايتها في نسج الـكروشيه ، وتقول "كنت بقول إذا الله تركني بعقلي بروح على المأوى، وإذا الله أخدلي عقلي ياخدوني مطرح ما بدّن، ونشكر الله اللي خلاني بعقلي وجيت لهون. أنا بقيت لوحدي بعدما مات أهلي وإخوتي، وبقي لدي خيّ، أنا مرتاحة كتير وبطلب الصحة للجميع والله يرحم اللي أسّس هيدا المركز". 

الممرضة نوال جابر تشير الى إنّ التعامل مع المسنين قد يكون صعباً أحيانًا، لكن المحبة والرعاية وكلمات التشجيع تساعدهم على التجاوب. وتؤكد أنّ المسنين في المركز يعيشون ارتياحًا نفسيًا بفضل الاهتمام المستمر بهم. 

الست إيفا، التي كانت تعيش في أستراليا، طلبت من ابنها تأمين ملجأ لها، وبعد تردد وافق على إدخالها إلى دار الراحة حيث تمضي اليوم عامها السادس. وتؤكد أنّها تشعر وكأنها في بيتها بفضل محبة المسؤولين واهتمامهم. تحب مشاهدة  " ناشيونال جيوغرافيك"، وتنشط على مواقع التواصل الاجتماعي، وتهتم بجمالها ونفسها، فيما يزورُها ابنها كل خمسة أيام. 

الست ايفا

"العناية الالهية" : بيت حقيقي وليس مأوى 

من مجدليا الى بيت الراحة في كفرياشيت - زغرتا يقول رئيس جمعية العناية الالهية بدوي الدويهي الملقب بالسبع إنهم يتابعون الوضع الصحي للمسنين عبر طبيب ثابت وأطباء متطوعين، مشيرا إلى أنّ الظروف الاجتماعية وضغط الحياة وهجرة الأبناء تدفع كثيرين إلى الإقامة في المركز. 

ويضيف "أنّ حضور الفريق ومجرد الاصغاء للمسنين يمنحهم شعورًا كبيرًا بالأمان والمحبة، مؤكدا ضرورة التخلّي عن فكرة "المأوى" لأن المكان هو "بيت حقيقي" يضم نحو 25 مسنًّا يعيشون كعائلة واحدة، مع نشاطات ورحلات دائمة. ويلفت إلى أنّ المشكلة الأبرز تبقى في غياب زيارات الأبناء، ما يترك أثرًا من الحزن والأسى في نفوسهم. 

تعمل في سريرها بالكروشيه

ويؤكد أنّ كبارنا هم بركتنا، ومن حقّهم أن يبقوا في بيوتهم، لأنّ من أصعب ما قد يمرّون به هو الابتعاد عن المكان الذي عاشوا فيه طوال حياتهم. 

ويشير الى ان الفكرة بدأت منذ سنة ١٩٧٩ "وكان الله مدبّر كل شي". 

ويقول "عند تأسيس جمعية العناية الإلهية شعرنا أنّ يد الرب ترافقنا في كل خطوة. حتى اسم الجمعية أتى من وحي الحبيس الأب أنطونيوس شينا، وكانت عناية الله حاضرة دائماً معنا. اليوم أصبح لدينا ٣٥ موظف يعملون بروح الخدمة والمحبة. 

البداية كانت مع مسنَّين التقيت بهما، كانا يعانيان من العمى والخرف وحالتهما لا توصف. عندها شعرت أنّ الرب يقودني وأنّ الروح القدس سيطر على كياني، فقمت باستئجار منزل لهما في عرجس، وبعد فترة انتقلنا إلى هنا. كانت هناك دائما أيادٍ بيضاء تساعد وتدعم، المهم كان اتخاذ القرار، أما باقي الأمور فالله كان يدبّرها. وحتى اليوم استقبلنا حوالي ٤٧٠ مسنًا". 

السيد بدوي الدويهي

المسن لا يحتاج فقط إلى الرعاية الصحية، بل أيضا إلى الاهتمام العاطفي والحياة الروحية. وفي هذا الإطار، يقول "نحن أمام مشروع "التبنّي الاجتماعي"، أي أن يتبنّى شخص مسنًا ويعتبره كأم أو أب له، وهكذا تستمر رسالة الأم أو الأب أو أي مسن فقدناه. هذا الأمر يزرع الفرح في قلب المسن، ويجعله قضية إنسان آخر يهتم به ويمنحه المحبة والاحتواء. وعندما ينتقل هذا المسن إلى السماء، يصبح ملاكًا وشفيعًا لهذا الإنسان"، وكما قال يسوع: "تعالوا إليّ… كنت مريضاً فآويتموني". 

دار الراحة
 

أما بالنسبة للأنشطة، فيقول مدرب مهارات الحياة جهاد الحزوري إنّ النشاطات تُقام مرة أسبوعيا، إضافة إلى نشاطات أخرى تُنظم بحسب الحاجة. 

وتتنوع هذه الأنشطة بين الثقافية والترفيهية والرياضية، حيث تُعرض للمسنين أفلام ومسرحيات للرحابنة، كما تُقام ألعاب حركية وتمارين رياضية تساعدهم على تحريك أجسادهم والمحافظة على نشاطهم. 

شاطات في بيت العناية

وفي أحيان كثيرة يتم اختيار موضوع معيّن تُبنى حوله الأنشطة، سواء من خلال ألعاب هادفة أو أفكار مستوحاة من الإنجيل أو من قضايا اجتماعية وإنسانية. 

في احد النشاطات

كما تُنظم حفلات موسيقية وأمسيات زجل في أجواء مليئة بالفرح، ما يساهم في إدخال البهجة إلى قلوب المسنين ويخفف عنهم الشعور بالوحدة والضجر. 

 

اقرأ المزيد من كتابات اوديت همدر