تـوارد الـخــواطــر واشتباك الحوافر
حافظ ابراهيمتُفَضّل القواميس إطلاق مصطلح "التخاطر" مقابل المصطلح الغربيّ télépathie المشتقّ من الكلمة اليونانية المكونة من جزأين: tele أي بعيد، أو عن بعد، و pathos أي الشعور أو المشاعر، ومعناها تبادل افتراضيّ - عن بعد – لخواطر (أو معلومات) بين شخصين من دون أن يشترط ذلك تواصلًا مباشرًا بينهما. ومع إقرار العلماء بحدوث هذه الظاهرة أحيانًا، لا يعترفون بوجود قانون علميّ لها يفسر العلاقة بين المُسبب والسبب، ويؤكّدها. كما لم يُسَجَّل تكرار حدوث الظاهرة حتميًّا، حتّى لو توفّرت الشروط ذاتها في حالات مشابهة.
وفي الكتابة عن موضوعات أدبيّة يستعمل البعض تعبير "توارد الخواطر" للتخفيف من وطأة مصطلح "سرقة الخواطر". والتخاطر صعب التحقّق في الإبداع الأدبيّ، قُل هو مستحيل، بسبب توفّر عنصر التواصل، إذ بوسع الثاني (الناقل) أن يطّلع على إنتاج الأوّل السابق. أمّا ما هو ممكن فيندرج في إطار الاحتذاء، أي السير على منوال؛ أو الأُخذ بضمّ الهمزة أو بكسرها (الإخذ) بمعنى السيرة والهدى (بنهجنا وبهدينا).
وقد عرفت البلاغة العربيّة، خصوصًا في مجال الشعر، نوعين من الاحتذاء أو الأُخذ، اشتهرا في علم العروض بالتضمين وبالمعارضة. والتضمين يعني أن ينطوى نصّ الكاتب على عبارات واضحة الذيوع لورودها في نصوص معروفة ومعروف قائلها، وهي في الأغلب اقتباسات من آيات دينيّة أو حكم أو أبيات شهيرة، كمثل تضمين (ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان) الثابت وجودها في الإنجيل أو كمثل اقتباس (ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل) من لامية الطغرائي. وتقضي أصول التضمين بوضع الاقتباس بين قوسين. وهو نوعان: مقبول أو غير مستحبّ. الثاني إذا كان المعنى لا يكتمل في النص إلّا باللجوء إلى مثل هذا التضمين، أمّا الأوّل، المُجاز، فيكون في حال اكتمال المعنى من دون التضمين، أمّا وروده فعلى سبيل توكيد المعنى أو الاستطراد.
أمّا المعارضة الشعريّة فتعني في علم العروض: نظم قصيدة موافقة بالوزن والقافية والموضوع لقصيدة سابقة من دون أثر للنقل أو الاقتباس. وغالبًا ما يلجأ إليها الشعراء كنوع من التحدّي لإبداع الآخر مع توفّر الإعجاب بقصيدته. واشتهر أحمد شوقي بمعارضات كثيرة، منها معارضة قصيدة علي الحصري القيرواني "يا ليلُ: الصبُّ متى غده/ أقيام الساعة موعدُهُ" فنظم "مضناك جفاه مرقده/ وبكاه ورحَّم عُوَّدُهُ". كذلك معارضته لسينيّة البحتري "صنتُ نفسي عمّا يُدنّس نفسي/ وترفّعتُ عن جَدا كلّ جِبسِ" فصاغ شوقي قصيدة مطلعها "اختلاف النهار والليل يُنسي/ اذكرا لي الصبا وأيام أنسي"، أو معارضة بُرْدة البوصيري "أَمِنْ تذكُّرِ جيرانٍ بذي سَلَمِ/ مزجتَ دمعًا جرى من مُقلةٍ بدَمِ" فاستهل شوقي نهج البردة ناظمًا "ريمٌ على القاع بين البانِ والعَلَمِ/ أحَلَّ سفكَ دمي في الأشْهُرِ الحُرُمِ".
كلّ ما خلا الحديث السابق يبقى في إطار النقل. وهو أنواع أيضًا. أولها، نقل المعنى ذاته وصياغته بعبارات أخرى. نقرأ في إحدى رباعيّات عمر الخيام، بحسب ترجمة أحمد رامي: "لبستُ ثوبَ العيش لم أُستَشَرْ/ وحِرتُ فيه بين شتّى الفِكَرْ/ وسوف أنضو الثوب عني/ ولم أدرك لماذا جئتُ، أين المقَرْ". المعنى ذاته ورد في مطلع قصيدة "الطلاسم" لإيليّا أبو ماضي: "جئتُ لا أعلمُ من أين، ولكنّي أتيتُ/ ولقد أبصرت قُدّامي طريقاً فمشيتُ/ وسأبقى سائرًا إن شئتُ هذا أم أبيتُ/ كيف جئتُ، كيف أبصرتُ طريقي/ لست أدري!". وانتقل المعنى ذاته إلى كلمات أغنية نظمها بالعاميّة المصريّة مرسي جميل عزيز : "جايين الدنيا ما نعرف ليه/ ولا رايحين فين/ ولا عايزين إيه/ مشاوير مرسومة لخطاوينا/ نمشيها ف غربة ليالينا (...) وزي ما جينا، جينا/ جينا ومش بإيدينا".
واللوحة البليغة التي رسمها حافظ إبراهيم في بيت من أجمل أبياته، يصوّر فيه بؤس الفقير "ويـخـالُ الرغيـفَ في البعـد بـدرًا.. ويظـنُّ اللـحـومَ صـيـْـدًا حـرامـا"، أعاد تقديمها عبد الرحمن الأبنودي في قصيدة "الخواجة لامبو مات" حيث يقول معبّرًا عن الجوع الذي جعل الفقير يرى البدر رغيفًا: "يا قمر، يا رغيف بعيد". وعلى النهج ذاته تقرأ في قصيدة "في المقهى" لنزار قباني (ديوان "قالت لي السمراء"): "هي من فنجانها شاربة/ وأنا أشرب من أجفانها". ولاحقًا عند جوزف حرب في أغنية لحنها فيلمون وهبي وأنشدتها فيروز: "بالقهوه البحريه واتطّلع بإيديك/ وتشرب من فنجانك وإشرب من عينيك".
وعند عمر أبو ريشة قصيدة بعنوان "في طائرة" يذكر فيها أنّ حسناء كانت جالسة في المقعد المجاور، وتجاذبا خلال الرحلة أطراف الحديث، وسألها عن موطنها، أصلها ومكان إقامتها. "وأجابت أنا من أندلسٍ/ جنة الدنيا سهولًا وجبالا/ وجدودي ألمحُ الدهر على ذكرهم يطوي جناحيه جلالا/ حملوا الشرق سناءً وَسَنى/ وتخطوا ملعب الغرب نضالا/ فنما المجدُ على آثارهم، وتخطّى بعدما زالوا الزوالا/ هؤلاء الصيد قومي، فانتسب إن تجد أكرم من قومي رجالا/ أطرق الطرفُ وغامت أعيني برؤاها وتجاهلتُ السؤالا". وعند نزار قباني في قصيدة "غرناطة" المعنى ذاته. يبدأها بلقاء مع الدليلة السياحيّة في قصر الحمراء بغرناطة. وأيضًا دار الحديث بينهما، وأيضًا سألها من أين هي، فأجابت أنّها أندلسيّة " "غرناطة؟ وصَحَت قرونٌ سبعة في تينكَ العينين.. بعد رقادِ/ ما أغرب التاريخ كيف أعادني لحفيدة سمراء من أحفادي/ وجه دمشقيّ رأيت خلاله أجفان بلقيس وجيد سعادِ/ ودمشق، أين تكون؟ قلت ترينها في شعرك المنساب نهر سوادِ/ في وجهك العربيّ، في الثغر الذي ما زال مختزنًا شموس بلادي (...) قالت: هنا الحمراء زهو جدودنا، فاقرأ على جدرانها أمجادي/ أمجادها؟ ومسحت جرحًا نازفًا، ومسحت جرحًا ثانيًا بفؤادي/ يا ليت وارثتي الجميلة أدركت أنّ الذين عَنَتهمُ أجدادي". وتوافق المعنى واضح وإنْ اختلفت الصياغة.
وثانيها، نقل في المعنى والصورة مع رتوش تراها سارية في الصياغة الجديدة، كمثل قول منسوب لابن المعتز (861-908) : "سقتني في ليلٍ شبيه بشَعْرِها/ شبيهةَ خدّيها بغير رقيبِ/ فأمسيتُ في ليلين: في الشَعر والدجى/ وشمسين: من خمرٍ وخدّ حبيبيِ". هبطت هذه اللوحة وحطّت في قصيدة "زحلة" لأحمد شوقي فصارت: "ودخلتُ في ليلين: فَرْعك والدجى/ ولثمتُ كالصبح المنوّر فاكِ". لاحظ تطابق صورة الليلين: الشَعر (الفرع) والدُّجى، وتشابه الطباق في عجز البيت عند ابن المعتز: ليلين/ شمسين.. وليلين/ الصبح عند شوقي.
وفي السياق نفسه يثير انتباهك مطلع قصيدة "فلسفة وخيال" لعلي محمود طه: "نُهزَةٌ أهْدَتِ الخيال إلينا/ ودَعَتْنا لموعدٍ فالتقينا" (النهزة أي الفُرصة)، فيرنّ في مسامعك صوت أم كلثوم تغني قصيدة جورج جرداق "هذه ليلتي" وترنّم: "صدفةٌ أهدت الوجود إلينا/ وأتاحت لقاءنا فالتقينا". كذلك يقول علي محمود طه، أيضًا، في قصيدة "سؤال وجواب": "فقالت: ما حياتك؟ قلتُ: حلمٌ من الأشواق أوثرُ أن أُطيله" وتسمع أم كلثوم تغني بيتًا آخر من قصيدة جرداق ذاتها: "سهرُ الشوق في العيون الجميلة، حلمٌ آثر الهوى أن يطيله".
وثالثها، النقل الحرفيّ. في معلّقة امرئ القيس نقرأ صياغة البيت الخامس: "وقوفاً بها صَحْبي عليّ مَطِيَّهُمُ/ يقولون:لا تهلكْ أسىً وتَجَمَّلِ". ويرد البيت بنصّه الكامل في معلقة طرفة بن العبد، الذي وُلد بعد وفاة امرئ القيس، باستثناء الكلمة الأخيرة التي أصبحت "وتَجَلَّدِ" عند طرفة. وثمة مثال آخر، مع اقتصار النقل الحرفيّ على صدر البيت: اشتهر بيت للمتنبي "ما كلّ ما يتمنّى المرء يدركه/ تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن"، وصدر البيت قرأته العرب قبلًا عند أبي العتاهية: "ما كلّ ما يتمنّى المرء يدركه/ رُبّ امرئٍ حتفُهُ فيما تمنّاهُ". ويقال إن المتنبي حين سُئل، أجاب ": الشعر ميدان، والشعراء فرسان، فربّما اتفق توارد الخواطر، كما قد يقع الحافر على الحافر". ومشكلة الشعر القديم، قبل عصر الطباعة والتوثيق، وقبل اعتماد الكتابة والخط العربي، أن تداوله كان شفهيا، وأن الرواة خانتهم الأمانة أحيانًا. وفي العصر الحديث غنّى عبد الحليم حافظ قصيدة لعبد الله الفيصل مطلعها "سمراء يا حلم الطفولة/ يا مُنية النفس العليلة"، وصدر البيت مطابق لنظير له في قصيدة لسعيد عقل مطلعها: "سمراء يا حلم الطفولة/ وتمنّع الشفة البخيلة" لكنّ العجز اختلف.
وللحديث صلة في مقالتي التالية، وهي عن النقل والاحتذاء و"توارد الخواطر" في الشعر المترجم، مع الحذر من وقوع الحافر على الحافر.



